رمزًا لمشروع "المدن الخفية" اخترتُ الحرف الصيني تشنغ لأنه كان يشير في الأصل إلى مدينة مسوّرة مبنية من الطين، مكان لم تتشكل فيه المباني فحسب، بل الذاكرة والحماية والحياة الجماعية. وهو يعكس روح هذا المشروع: استكشاف الطبقات الخفية للمدن، الشوارع المنسية، واللقاءات اليومية، والأماكن المندثرة، والتاريخ الشخصي الذي يكمن وراء أفق المدن والروايات الرسمية.
المدن الخفية
ممرّات المدينة، عودة شخصية
كنتُ أفكر في تسمية هذه المدونة "المدن الخفية". لكن ربما ليست المدن هي الخفية، بل ذواتنا التي كنا عليها في الماضي، تلك التي تختبئ في شوارعها وأزقتها. تخطر ببالي أسماء أخرى محتملة: "مدن في الداخل"، "بعد العودة"، "التيه من جديد"، أو ببساطة "ممرات". لا أدري. سأعتمد هذا الاسم مؤقتًا، وقد يتغير لاحقًا.
التهميش والإقصاء المكاني
هل الكويت حقاً كأي مدينة خليجية أخرى؟ تُجادل مدونتي الأخيرة ضمن سلسلة "المدن الخفية" بأنها ليست كذلك. بالاستناد إلى تجارب شخصية تعود إلى زيارتي الأولى عام ٢٠٠٧، وفصلي في كتاب "الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة"، تتناول المقالة التحول الاستثنائي الذي شهدته الكويت من مستوطنة هشة لصيد اللؤلؤ إلى دولة نفطية حديثة. ومن خلال قصة مجمع الصوابر السكني، وأعمال الفنانة دانا الراشدي، ورواية "ساق البامبو"، تستكشف المقالة كيف شكّلت العمارة والتخطيط العمراني والتحديث قضايا الإقصاء والانتماء والذاكرة. وتخلص المقالة إلى أن المقياس الحقيقي للمدينة لا يكمن فقط في مبانيها، بل أيضاً في سكانها الذين تختار تخليد قصصهم.
الدبّ تحت المصباح
ما الذي يمكن أن تكشفه دمية دبّ عملاقة في مطار الدوحة عن مدينة، بل وعن الخليج بأسره؟ في أحدث تدوينات «مدن خفية»، أتأمل الدوحة من خلال مفاهيم البيت، والانتماء، والعبور، مستندًا إلى تجارب شخصية امتدت لأكثر من عقد من الزمن. فمن الدبّ الجالس تحت المصباح في مطار حمد الدولي، إلى جولات في النجادة، ومشيرب، وسوق واقف، والمتحف الوطني، تستكشف التدوينة التوتر القائم بين الحداثة المبهرة والحياة الحضرية اليومية. وانطلاقًا من الفصل الذي خصصته للدوحة في كتابي «الحداثات العربية: المدن، التاريخ والثقافة»، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لمدينة شيدها ملايين البشر، وهم يعلمون أنهم سيرحلون عنها يومًا ما، أن تصبح وطنًا بحق؟
طيفُ دبي في نيويورك
بيروت
مستوحاة من أغنية فيروز الخالدة «لِبيروت»، تتأمل هذه التدوينة الجديدة ضمن سلسلة «مدن خفية» مدينةً تتشابك فيها الذاكرة والحنين والصمود بصورة لا تنفصل. ومن خلال عودتي إلى بيروت بعد سنوات طويلة، أستكشف كيف تكشف الموسيقى والسينما والأدب عن أبعادٍ للمدينة تعجز العمارة والتخطيط الحضري وحدهما عن الإحاطة بها. واستنادًا إلى تجارب شخصية وإلى الفصل الذي خصصته لبيروت في كتابي «الحداثات العربية: المدن، التاريخ والثقافة»، تتناول التدوينة مدينةً تبدو وكأنها تعافت، بينما لا تزال تحمل في أعماقها أعباء تاريخ لم يُحسم بعد. متنقلةً بين الأفلام والشوارع والمقاهي والأغاني، تتأمل التدوينة الذاكرة الحضرية والانتماء، ولماذا يكمن المقياس الحقيقي لأي مدينة ليس في معالمها العمرانية، بل في تفاصيل الحياة اليومية التي تتكشف بين أزقتها وفضاءاتها.
وما تزال عمّان تنتظر ما سيأتي
ما الذي يجعل مدينةً ما تبدو وكأنها موطن؟ في أحدث تدوينات «مدن خفية»، أعود إلى عمّان من خلال الذاكرة والأدب والحياة الحضرية اليومية. مستلهماً لقاءات شخصية، وتلال المدينة ومقاهيها، والموضوعات التي تناولتها في فصل عمّان من كتابي «الحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن، التاريخ، والثقافة»، يتأمل هذا المقال كيف تكشف مدينةٌ كثيراً ما تُوصف بالهادئة أو العادية عن ذاتها عبر إيقاعاتها الخفية من الانتماء والصمود والتعايش. وأكثر من كونه بورتريهاً لعاصمة الأردن، فهو تأمل في سبب كون المدن الأكثر رسوخاً في الذاكرة هي تلك التي تفصح عن نفسها ببطء، لقاءً بعد لقاء.
التحوّل إلى دجاجة
تتأمل أحدث تدويناتي، وهي مراجعة لفيلم سينمائي، فيما إذا كان بالإمكان حل مشكلات القاهرة العمرانية من خلال التحول إلى دجاجة. دعوني أوضح. ماذا يمكن لفيلم عن رجل يتحول إلى دجاجة أن يخبرنا عن القاهرة؟ الكثير، كما اتضح. في هذه التدوينة الجديدة من «مدن خفية»، أتوقف عند فيلم «ريش» للمخرج عمر الزهيري، وما يقدمه من تصوير مقلق للفقر والتفاوت الاجتماعي والبيروقراطية والبقاء في مصر المعاصرة. ومن خلال ربط الفيلم بفصل القاهرة في كتابي «الحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة»، يستكشف المقال الفجوة بين الرؤى المبهرة للتحديث التي تجسدها المدن الجديدة والمونوريل والعاصمة الإدارية الجديدة، وبين الواقع اليومي الذي يعيشه ملايين المصريين. ومن خلال السينما، يقدم «ريش» عدسة قوية لإعادة النظر في علاقة القاهرة المستمرة بالحداثة، وفي التناقضات التي ما تزال تشكل الحياة في المدينة.
مساجد بلا مآذن
ما الذي يجعل المسجد مسجدًا؟ هل هي القبة، أم المئذنة، أم شيء أقل مادية وأكثر عمقًا؟ انطلاقًا من زيارة حديثة إلى مدينة لييج في بلجيكا، حيث شاركت كممتحنًا خارجيًا لأطروحة دكتوراه حول التوزيع الجغرافي للمساجد، يتأمل هذا المقال في قضايا الظهور والانتماء وأماكن العبادة الخفية التي تتوارى داخل المدن حول العالم. ومن بكين والقاهرة إلى الرياض ونيويورك وبلجيكا، يستكشف المقال فكرة «المساجد بلا مآذن»، متسائلًا عمّا إذا كان الإيمان يُعبَّر عنه من خلال الحضور المعماري الصاخب أم عبر التعايش الهادئ. إنه مزيج من السرد الشخصي والتأمل الحضري، يتناول كيف تشكل العمارة الهوية، ولماذا تبقى بعض أماكن العبادة بعيدة عن الأنظار، وما الذي تكشفه هذه الفضاءات عن معنى الانتماء في عالم يزداد تنوعًا وتعقيدًا.
التجول في برلين، وتذكّر القاهرة
عندما عدت إلى برلين بعد أكثر من أربعة عقود على أولى لقاءاتي بهذه المدينة، توقعت رحلة إلى مكان مألوف. لكن الزيارة تحولت إلى تأمل غير متوقع في الذاكرة والانتماء والتحولات الحضرية. وبينما كنت أتجول في أحياء تشكلت ملامحها بفعل الهجرة والتعايش وطبقات التاريخ المرئي المتراكمة، وجدت نفسي أفكر في القاهرة أكثر مما أفكر في برلين. يتأمل هذا المقال كيف يمكن لمدينة أن تكشف لنا مدينة أخرى، مستكشفاً ما الذي يمكن أن تعلمنا إياه قدرة برلين على احتضان التناقضات بشأن التحديات التي تواجه القاهرة، وبشكل أوسع، بشأن مستقبل المدن في عصر يتزايد فيه الميل إلى المحو وإعادة التطوير والصراع المستمر حول كيفية التعايش مع الاختلاف واستيعابه.
حين أغرق أهل القرية الحلم
ماذا يحدث عندما يشرع معماري صاحب رؤية في بناء مستقبل أفضل للآخرين؟ يستند هذا التأمل الشخصي إلى فصل من كتابي «الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة»، ويعود إلى أولى لقاءاتي مع حسن فتحي وقريته الشهيرة القرنة، متتبعاً رحلة بدأت بكتاب، ثم استمرت عبر رحلة طلابية إلى صعيد مصر، لتتحول إلى انشغال فكري رافقني طوال حياتي بأحد أكثر التجارب المعمارية تأثيراً وإثارة للجدل في العالم العربي. وبين السيرة الذاتية والتأمل النقدي، يحاول المقال فهم أسباب فشل القرنة، وكيف تحولت «عمارة الفقراء» إلى عمارة للنخبة والميسورين، وما الذي لا يزال إرث حسن فتحي يكشفه لنا عن الهوية والسلطة والسعي غير المكتمل نحو حداثة بديلة في العالم العربي.
غرباء في مدينة غريبة
تأملٌ في مدينة الجزائر من خلال رواية «الغريب» لألبير كامو، يستكشف هذا المقال كيف تكشف الأدب والسينما والفضاء الحضري عن تعقيدات الحداثة الاستعمارية وإرثها المستمر. ومن خلال التنقل بين ذكريات شخصية لقراءة كامو ومشاهدة الاقتباس السينمائي الحديث للرواية، يكشف المقال عن مدينة وُسمت بالانقسام والمقاومة وإعادة التشكل، حيث أُعيدت صياغة رؤى الحداثة المفروضة باستمرار عبر ممارسات الحياة اليومية. وبهذا يقدّم لمحة عن فصل الجزائر في كتاب «الحداثة (أو الحداثات) العربية»، داعياً القرّاء إلى إعادة النظر في واحدة من أكثر البيئات الحضرية العربية إثارةً للجدل والافتتان.
لقاءات: القاهرة، الصداقة، والأماكن التي تصبح بيتاً
تُشكّل صورةٌ التُقطت عبر واجهة زجاجية لمقهى في المعادي نقطة انطلاقٍ لتأملاتٍ حول الصداقة والذاكرة والانتماء. ينسج هذا المقال بين أغنيةٍ لماجدة الرومي، وصداقات الطفولة، ومقاهي القاهرة وأمريكا، والأفلام، والأدب، والتأملات الشخصية، مستكشفًا كيف تعيش المدن فينا من خلال اللقاءات التي تُشكّل حياتنا. وفي النهاية، يُشير إلى أن البيت ليس مكانًا نسكنه، بل هو علاقةٌ نحملها معنا أينما ذهبنا.
برلين: بين الأطلال والمتمرّدين والملائكة
برلين مدينةٌ من التناقضات؛ مكانٌ يظل فيه التاريخ مرئياً، وتبقى الذكريات عالقة في المشهد الحضري، فيما تكشف كل زيارة وجهاً جديداً من وجوه المدينة. متنقلاً بين رحلات الطفولة عبر ألمانيا المنقسمة، ومغامرات الدراسة في برلين إبان الحرب الباردة، ولقاءات مع العمارة والسينما وحيوات المهاجرين، تتتبع هذه المقالة علاقةً شخصية بمدينةٍ تشكّلت بفعل الانقسام وإعادة الابتكار والمقاومة. وهي، في آنٍ واحد، سيرةٌ ذاتية وتأملٌ حضري، تستكشف برلين لا بوصفها مجموعةً من المعالم، بل أرشيفاً حياً للشوق والصراع والإمكانات.
بعد مدن الملح: الرياض، دبي، والمدينة الخفية في الخليج
في هذه التدوينة الأخيرة ضمن سلسلة "مدن خفية"، أتناول روايتين خليجيتين: "دق الطبول" لمحمد البساطي، التي تدور أحداثها في مدينة تُشبه دبي، مدينة استعراضية تعتمد على العمالة المهاجرة، و"كائن مؤجل" لفهد العتيق، وهي صورة آسرة لتحوّل الرياض من أزقة الشميسي الموحلة إلى ضواحيها المعزولة في خضمّ طفرة النفط. تكشف الروايتان، عند قراءتهما معًا، عن رؤيتين متباينتين للخليج: إحداهما مُصفّاة عبر الصور النمطية والأوهام الخارجية، والأخرى نابعة من الذاكرة المعاشة والحياة اليومية. إذ تُرددان مواضيع استُكشفت في "كتابي" الحداثة العربية، وتُذكّرنا بالظلّ الدائم لرواية "مدن الملح"، وتدعونا إلى إعادة النظر في مدن الخليج لا كمجرد استعراضات للثروة، بل كمدن تشكّلت بفعل الهجرة والفقدان والطموح، والنضال الدؤوب لبناء مستقبل حضري أكثر عدلًا وشمولًا
البيت الذي لم يرحل عني أبداً
يتتبع هذا المقال الشخصي علاقتي الطويلة ببيوت الشعبي في الإمارات، بدءًا من أولى تجاربي مع هذه البيوت المتواضعة في مدينة العين عام ١٩٩٧، مرورًا بسنوات من البحث والتصوير والمعارض والعمل الميداني في مختلف أنحاء البلاد. يتنقل المقال بين الذاكرة والعمارة والحياة اليومية، كاشفًا كيف أصبحت هذه البيوت بمثابة أرشيفات حية للانتماء والتكيف والضيافة والتحول الاجتماعي، مقدمةً بذلك منظورًا إنسانيًا عميقًا في مقابل مشهد التمدن الخليجي
فوضى وسط القاهرة المُغرية: السينما والأسواق وخيالات المراهقة في مدينة تتلاشى
تُعد هذه المدونة رحلةً عبر المقاهي ودور السينما والأزقة وزوايا الشوارع التي اندثرت من القاهرة؛ تلك المدينة التي تُعاشُ من خلال الذاكرة، والرغبة، واللقاءات اليومية العابرة. وهي، إذ تتنقل بين الذكريات الشخصية والملاحظات الحضرية، تكشف لنا كيف تُشكّل المدنُ—في صمتٍ وهدوء—مشاعرنا وهوياتنا وأوهامنا وحسّنا بالانتماء. وفي قراءة هذه الشذرات عن القاهرة، قد يكتشف القراء في نهاية المطاف شيئاً عن ذواتهم: تلك الأماكن التي يحملونها في أعماقهم، والعوالم التي فقدوها، والسبب الذي يجعل الذاكرة تظل جزءاً لا ينفصل عن المدينة.
الزمالك في الذاكرة: رحلة عبر طفولةٍ زائلة
في الخامس من يناير عام ٢٠٢٦، عدتُ إلى الزمالك، الحيّ الذي نشأتُ فيه بالقاهرة في سبعينيات القرن الماضي، لأستعيد ذكريات الشوارع والأماكن والروتينات التي شكّلت طفولتي، في رحلةٍ تُشكّل جزءًا من مشروع "قاهرتي" وتُتيح لي لمحةً عن الكتاب الذي أستكشف فيه الزمالك بتفصيلٍ دقيق. وبينما كنتُ أتجوّل بين معالم مألوفة، من دار توماس ومكتبة ديوان إلى المدرسة الألمانية التي اندثرت ومنزلنا السابق، لا بيرغولا، وجدتُ حيًا يجمع بين الاستمرارية والفقد، حيث تحمل المقاهي والمتاجر والأماكن اليومية آثارًا من الذاكرة الشخصية والجماعية، حتى في حين اختفى بعضها أو تغيّر. لم تكن هذه الجولة مجرّد استعادةٍ للذكريات، بل كانت محاولةً لفهم سرّ استمرار الزمالك في حمل هذا الثقل العاطفي، كاشفةً كيف تُرسّخ الذاكرة وجودنا في مدينةٍ سريعة التغيّر، وكيف يبقى الماضي حاضرًا - بهدوءٍ ولكن بقوة - في النسيج الحضري المتطوّر للقاهرة
مدن بلا ذاكرة: التحوّل الحضري والمحو العنيف الصامت للذاكرة
تتناول هذه المدونة كيف تمحو المدن الذاكرة من خلال الهدم وإعادة التطوير، بدءًا بهدم دوار اللؤلؤة في المنامة، وصولًا إلى حي الفهيدي التاريخي في دبي (البستكية سابقًا)، الذي أسسه مهاجرون إيرانيون في أواخر القرن التاسع عشر. ومن خلال تجارب شخصية - من مساكن العمال المكتظة في التسعينيات إلى تحويلها لاحقًا إلى معارض ومواقع تراثية - يتتبع السرد كيف تطور الحي ليصبح معقلًا ثقافيًا مُنسقًا. إلا أن بناء مشروع مرسي السيف المطل على الواجهة البحرية المجاورة حوّل المساحة العامة المتاحة إلى بيئة استهلاكية مُتحكم بها، تُحاكي التقاليد بينما تُهجّر مستخدميها اليوميين. وتجادل هذه المقالة بأن مثل هذه التدخلات تُشكل شكلًا من أشكال العنف الحضري، إذ تستبدل الذاكرة الحية بمشهد مُنمّق، وتطرح تساؤلات أوسع حول الحفاظ على التراث، والانتماء، ودور التخطيط الحضري في منطقة تواجه اضطرابات ودمارًا مستمرين.
خِفَّة العابرية التي لا تُحتمل: المستشفى الإيراني في دبي وبقاء الذاكرة
في هذه المدونة، أستعيد زيارتي عام 2008 للمستشفي الإيراني في دبي خلال مشروع رسم خرائط حضرية أخذني إلى ما وراء أفق المدينة الأيقوني نحو أحيائها المأهولة بالحياة اليومية. أتذكر كيف كان المستشفى، الذي خدم ليس فقط الإيرانيين بل سكان المدينة من مختلف الخلفيات، مميزًا بعماراته ذات الطابع الهجين بين الفارسي والإسلامي، وباندماجه العميق ضمن نسيج حضري نابض يربط جميرا بـ«ليتل مانيلا» والسطوة. وقد تركت التوترات الجيوسياسية الأخيرة وإغلاق المؤسسات المرتبطة بإيران مستقبل المستشفى غامضًا، ما دفعني للتساؤل عمّا إذا كان سيُعاد توظيفه، أو تُجرَّد ملامحه المميزة، أو يُمحى بالكامل. وأجادل بأن احتمال فقدان هذا المكان يعكس نزعة مقلقة نحو العابرية في دبي، حيث تُضحّى الذاكرة والتراث العمراني كثيرًا باسم التقدم. وفي النهاية، أرى أن اختفاء مثل هذه الأماكن يعني أن السكان لا يفقدون مجرد مبانٍ، بل يخسرون مرتكزات للانتماء، وتخاطر المدينة بأن تصبح مكانًا بلا ذاكرة، وبالتالي بلا روح.
خان الخليلي ينادي: الذاكرة، الحرفة، و دوام معنى البيت
في هذا النص أستعيد زيارتي إلى خان الخليلي ومقهى الفيشاوي بوصفها رحلة في الذاكرة بقدر ما هي رصد لتحولات المكان. أستحضر المنطقة كما عرفتها في السبعينيات والثمانينيات، فضاءً نابضاً بالحياة ومفتوحاً طوال الليل، شكّل محطة انتقالية في نشأتي ونافذة على وجوه القاهرة الخفية بعيداً عن أحياء الطبقة الوسطى والعليا. ومن خلال ذكرياتي الشخصية مع والدي، ولقاءاتي مع شخصيات معمارية، وحكاية قطعة مشربية عثرت عليها وظلت ترافقني عبر أسفاري، أربط بين المكان ومعنى البيت والانتماء. وفي زيارتي الأخيرة ألاحظ كيف غيّرت إجراءات الأمن، والسياحة المكثفة، وتحولات السوق ملامح الحي، من دون أن تمحو تماماً روحه. وبين الماضي والحاضر يبقى خان الخليلي مساحة تستدعيني، حيث تتحول جلسة في الفيشاوي إلى لحظة عابرة أعود فيها إلى القاهرة التي لا تزال تسكنني.
رثاء وسط المدينة: التحديث الحضري، الذاكرة، وتفكك قاهرتي
في الثالث من يناير، عدتُ إلى وسط القاهرة. لم تكن الزيارة مُخططًا لها بدافع الحنين إلى الماضي، لكنها سرعان ما تحولت إلى ذلك. بالنسبة لكل من نشأ في القاهرة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان وسط المدينة أكثر من مجرد منطقة ذات واجهات أنيقة ودور سينما آخذة في التلاشي؛ بل كان نسيجًا اجتماعيًا نابضًا بالحياة، حيث كانت المكتبات والمقاهي والأرصفة ودور السينما جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. إلا أن هذا المشهد بدأ يتغير في السنوات الأخيرة. فقد حوّلت مشاريع الترميم والمقاهي الجديدة والترويج للتراث وتشديد الإجراءات الأمنية المنطقة تدريجيًا إلى مكان مألوف وغريب في آنٍ واحد. ما يلي ليس مجرد جولة في شوارع كنت أعرفها جيدًا، بل هو تأمل شخصي في مدينة في طور التحول، مدينة لا تزال فيها شظايا الذكريات باقية وسط التجديد، ولا يبقى من وسط المدينة الذي عشت فيه أيام شبابي إلا آثار متناثرة.