خان الخليلي ينادي: الذاكرة، الحرفة، و دوام معنى البيت

تحتل القاهرة القديمة - خان الخليلي - مكانةً خاصةً في مخيلة سكان القاهرة. إنها منطقة تتمحور حول مسجد الحسين، وهو موقع زيارة يُعتقد أنه يضم رفات الحسين، حفيد النبي، إلى جانب آثار مقدسة أخرى. ومع ذلك، فهو أيضًا مكان يستحضر العصر الذهبي للقاهرة، عندما كانت المدينة مركز العالم الإسلامي. تقدم أزقة المنطقة الضيقة، وأسواقها المزدحمة، وتاريخها العريق أكثر من مجرد تراث؛ فهي تشكل جغرافية رمزية تدمج الإيمان والتجارة والذاكرة في تجربة حضرية واحدة

شارع المعز و حي خان الخليلي ١٩٩٤

لماذا أعود مرارًا وتكرارًا إلى هذا المكان، الذي تحول بشكل متزايد إلى فخ سياحي - مُعقّم، ومُؤمّن، ومُجرّد من طابعه الأصيل والعفوي وغير الرسمي؟ لماذا يحتل هذا المكان مكانةً مهمةً في كتابي القادم، "قاهرتي"؟ أتذكر أن هذه المنطقة كانت بمثابة محطة انتقالية خلال نشأتي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. كانت مكانًا مفتوحًا طوال الليل، حيث يمكن للمرء أن يتجول بحرية ويجلس في مقهى الفيشاوي الأسطوري، مستمتعًا بتجربة مصرية أصيلة دون مظاهر الفنادق والمنتجعات الفخمة. كان هناك شيء مميز فيها - لا عروض مُعدّة مسبقًا، ولا أصالة مصطنعة - فقط مجرد نبض القاهرة الخام وهو يتكشف في الزمن الحقيقي

لكنها كانت أيضًا بمثابة اتصال بجانب من القاهرة عادةً ما يكون خفيًا عن أحياء الطبقة المتوسطة والعليا. هنا، يمكن للمرء أن يقترب من خبايا المدينة وأماكنها الخفية - خاصةً إذا بقي حتى وقت متأخر من الليل وتجول في الأزقة المتفرعة من شارع المعز. هذه الممرات تفتح على ورش عمل، وباعة متجولين، وساحات مظللة، وحياة نادرًا ما تُرى في أحياء القاهرة الحديثة الأكثر تنظيمًا. كشفت المنطقة عن واقع حضري متعدد الطبقات - فوضوي، نابض بالحياة، ومثير للقلق أحيانًا، ولكنه دائمًا حي

المنطقة أيضًا مكانًا يحمل ذكرياتٍ عزيزة. كنت أتردد عليه كثيرًا مع والدي، أستمع إلى حكاياته - حكايات من شبابه، ومن الفترة التي سكن فيها لفترة وجيزة في شقة فوق الفيشاوي أثناء دراسته الجامعية. كان يتذكر أصواتًا غريبة في الليل، فسرها له البعض لاحقًا بأنها همسات أرواح من العالم الآخر. أتذكر أيضًا جلوسي هناك مع المعماري المصري الراحل عبد الحليم إبراهيم، أستمع إلى حكاياته وهو يدخن الشيشة، بينما كنا أنا وأصدقائي نستمع إليه في ذهول. وهناك قصة أخرى: بينما كان والدي يصمم منزلنا في المعادي، بحث عن ورشة لصنع المشربيات، أو النوافذ الخشبية التي تُغطي واجهة المنزل. وجد واحدة في زقاق جانبي، يملكها علي حمامة - أحد أقارب الرئيس المصري الحالي. أصبحا موردي المشربيات الخشبية، التي عكست العمارة التقليدية للقاهرة، ودمجت هذا الحي التاريخي في نسيج منزلنا

وهكذا ظللت أعود - لأستعيد ذكرياتي، ولألاحظ أيضًا التغيرات التي حولت الحي إلى مشهد يكاد يكون من المستحيل التعرف عليه. في زيارتي الأخيرة في يناير ٢٠٢٦، استقليت سيارة أجرة وتوجهت مجدداً إلى هذه المنطقة. أنزلتني السيارة عند مدخل ساحة جامع الحسين على طول شارع الأزهر. كانت الساحة مسوّرة. كان عليّ المرور عبر بوابة أمنية يحرسها رجال أمن؛ لم يقم أحد بالتفتيش، لكن وجودهم بحد ذاته كان له دلالة كبيرة. كان الناس يدخلون ويخرجون بحرية، لكن نظام الرقابة كان له تأثيره على التجربة

في الداخل، كانت هناك سلسلة من المتاجر تبيع الكتب والتحف والهدايا التذكارية. كان الناس يجلسون على طول الأسوار، منشغلين وغير مبالين. أصبحت الساحة أمام الجامع مغلقة تماماً؛ كما أُغلق مخرج آخر بالقرب من خان الخليلي، مما أجبر الزوار على العودة من حيث أتوا. للوصول إلى الفيشاوي والأسواق المحيطة بها، كان على المرء الخروج من نفس نقطة الدخول الخاضعة للرقابة

غادرت الساحة واتجهت نحو الفيشاوي. كانت المطاعم تطل على الساحة المفتوحة، وسلكت ممراً كنت أمر فيه بمتجر لبيع أشرطة الكاسيت، والذي لم يعد موجوداً الآن. وصلت إلى الفيشاوي: كانت تعجّ بالسياح. عادت الشيشة بعد غيابها خلال فترة الجائحة. جلستُ على أحد المقاعد الخارجية بجوار زوجين - امرأة غربية بيضاء ورجل أسود - بينما كان سيل من الباعة يمر أمامنا: يعرضون الساعات والسجائر والكتب، وأطفال يبيعون تذكارات فرعونية، وامرأة تعرض نقوش الحناء، وصبي يلمع الأحذية، وبائع أقمشة. التقط السياح الصور، بما فيها صور السيلفي. عزف رجلان على الدفوف موسيقى، بينما كان السياح - وبعض المصريين - يصفقون

طلبتُ شايًا بالنعناع وشيشة تفاح. ثم غادرتُ عبر زقاق ضيق آخر يؤدي إلى شارع المعز والمنطقة الرئيسية لسوق خان الخليلي. ظهرت محلات الهدايا التذكارية المألوفة، ومقابلها فطاطري معروف، بنكهتيها المالحة والحلوة. تناولتُ الطعام هناك مرات عديدة خلال سنوات دراستي الجامعية، عادةً في الثانية أو الثالثة صباحًا. لم يكن المكان ينام أبدًا

في طريقي للعودة إلى شارع الأزهر لأستقل سيارة أوبر، مررت بممر ضيق يؤدي إلى نقطة تفتيش أمنية. وخلال الطريق، صادفت مجموعة من النساء المحليات يتشاجرن بعنف ويصرخن. كانوا بائعين متجولين يبيعون بضائعهم للسياح السذج. لم يتدخل أحد. بدا الأمر وكأنه مشهد يومي، شاهدته مرات عديدة من قبل

أخيرًا، وصلتُ إلى شارع الأزهر وطلبتُ سيارة أجرة. استغرق الأمر بعض الوقت. أثناء الانتظار، اقتربت مني متسولة تحمل طفلًا؛ فأدرتُ وجهي عنها في صمت، لا أرغب في إثارة المزيد من الاحتكاك. وصلت سيارة الأجرة، ولكن من الجهة المقابلة. دخلتُ نفقًا لعبور الشارع، وخرجتُ أمام مسجد الأزهر العريق، الذي باتت امام واجهته الآن سياج معدني يُقيّد الحركة. كان التأثير التراكمي واضحًا لا لبس فيه: تحويل ما كان في السابق مساحة حضرية مفتوحة يسهل الوصول إليها إلى منطقة تحكمها اعتبارات امنية

وصلت سيارة الأجرة، وانطلقنا عائدين إلى منزلي في المعادي، مرورًا بالمقبرة القديمة - التي لا تزال سليمة إلى حد كبير. في الطريق، تذكرتُ أمسية لا تُنسى من عام ١٩٨٦. أثناء عبوري ساحة مسجد الحسين، لاحظتُ قطعة من مشربية خشبية على الأرض. التقطتها واحتفظتُ بها. رافقتني هذه القطعة في رحلتي – إلى الولايات المتحدة خلال دراستي، ثم إلى الإمارات العربية المتحدة حيث استخدمتها في التدريس، وعرضتها على الطلاب كمصدر إلهام مستوحى من الحرفية. وعندما عدت إلى الولايات المتحدة، بدأت القطعة تتفتت تدريجيًا. وفي النهاية، حولتها إلى عمل فني – قطعة نحتية معلقة الآن على جدار منزلي في فيلادلفيا، تذكيرًا ملموسًا بهذا الجزء من القاهرة الذي لا يزال حيًا في داخلي

ماذا يعني كل هذا؟ كتابي "قاهرتي" يدور حول الوطن. بطريقة ما، هذا الجزء من القاهرة القديمة هو وطني. ربما تغير، لكن آثاره باقية. لا يزال لدي جزء يربطني بهذا المكان. كلما عدت، يناديني خان الخليلي

أجلس في مقهى الفيشاوي، أدخن الشيشة، وأشرب الشاي بالنعناع. أراقب حركة الناس. أغمض عيني – وللحظة عابرة، أنتقل إلى القاهرة التي عرفتها في شبابي

عندما أفتحها مجدداً، يعود الحاضر، لكن الذكرى تبقى عالقة، تُصرّ بهدوء على أن هذه المدينة -رغم كل شيء- لا تزال ملكي


للمزيد، تفضلوا بزيارة موقعي الإلكتروني الخاص بكتابي القادم، "قاهرتي: خريطة الانتماء" (AUC Press) - الموقع ليس مُفعّلاً بالكامل بعد، لكنه سيكون متاحاً فور صدور الكتاب مطلع عام ٢٠٢٧. إضافةً إلى ذلك، يتضمن كتابي الصادر حديثاً "الحداثات العربية: المدن والتاريخ والثقافة" فصلاً عن القاهرة

Previous
Previous

خِفَّة العابرية التي لا تُحتمل: المستشفى الإيراني في دبي وبقاء الذاكرة

Next
Next

رثاء وسط المدينة: التحديث الحضري، الذاكرة، وتفكك قاهرتي