فوضى وسط القاهرة المُغرية: السينما والأسواق وخيالات المراهقة في مدينة تتلاشى

تستعيد هذه المدونة المقاهي ودور السينما والفضاءات اليومية في وسط القاهرة، بوصفها أماكن للذاكرة والرغبة والانتماء. وفي أوقات النزاع، تكتسب هذه القصص أهمية خاصة؛ إذ تُذكّرنا بأن المدن، في نهاية المطاف، تُبنى من لقاءات إنسانية هشة وحياة يومية مشتركة

تزدهر المدن بالصخب. فحيويتها لا تنبع من النظام المصقول أو المشاهد المصممة بعناية، بل من الاحتكاك والتداخل والارتجال وحضور الغرباء. المهاجرون القادمون من أماكن بعيدة، الباعة الذين يحتلون الأرصفة، اللغات المتداخلة، الروائح المتسللة من مطابخ مجهولة، السلع الرخيصة المعروضة إلى جانب مقتنيات ثمينة — كل هذه الشظايا تصنع نبض الحياة الحضرية. وقد تذكرت ذلك مؤخراً خلال رحلة إلى تورونتو، حيث تمت دعوتي للمشاركة في مؤتمر نظمته جامعة تورونتو متروبوليتان حول الهجرة وتأثير الحرب على الفضاءات اليومية للمدينة

خلال المؤتمر تجولت في حي كنسينغتون ماركت الذي يتعرض تدريجياً لعمليات التهذيب العمراني، متأملاً حضريته الدقيقة: باعة يمتدون ببضائعهم إلى الأرصفة، متاجر بقالة تخدم جماعات عرقية مختلفة، لافتات بلغات متعددة، وشظايا من أوطان بعيدة مضغوطة داخل نسيج كثيف من الشوارع. كان هناك ضجيج وفوضى وعدم قابلية للتوقع. لم يكن شيء يبدو خاضعاً بالكامل للسيطرة، وذلك تحديداً ما منح المكان سحره. ذكرني ذلك فوراً بالقاهرة — بالطريقة التي يمكن للفوضى فيها أن تولد الإثارة واللقاء الاجتماعي والحسية. كما جعلني أفكر في الفكرة التي طرحتها خلال المؤتمر: كيف أن مدن الخليج مثل دبي تنخرط بشكل متزايد في محو الذاكرة الحضرية، فتقوم بتطهير الحياة العامة وتجريد بيئاتها العمرانية من ذلك التنوع الاجتماعي الفوضوي الذي يجعل المدن إنسانية وحية. ففي كثير من هذه المدن تُعتبر الفوضى تهديداً. يتم القضاء على العشوائية، وإخفاء حياة المهاجرين، وتتحول الشوارع إلى مسارح للاستهلاك والسياحة بدلاً من أن تكون فضاءات معيشة حقيقية.  فهذه المدن تعمل وفق مبدأ بسيط و ان كان خاطئا: إذا كانت هناك ذاكرة حضرية تزعجك، فما عليك إلا أن تمحوها

الحي الصيني. تورنتو. ٢٠٢٦

أما القاهرة، فما زالت تقاوم هذا التطهير الكامل. حتى وهي تتراجع، وحتى وسط الإهمال والإرهاق، فإنها ما زالت تحتفظ بقدرتها على الإغواء

خلال زيارتي الأخيرة للقاهرة في يناير ٢٠٢٦، قررت زيارة سوق ديانا للسلع المستعملة، الذي سمعت عنه الكثير، والذي سُمّي بهذا الاسم نسبةً لموقعه بالقرب من سينما ديانا. وصلتُ إلى شارع 26 يوليو، ونزلتُ بالقرب من زقاق جانبي يعجّ بالباعة، وهو ما يُشكّل سوق السلع المستعملة.ابتلعتني المدينة فوراً. الطاولات تفيض بالأدوات المعدنية، والنحاسيات، والأدوات المنزلية، والطوابع، والعملات، والأوراق النقدية القديمة، والصحف، والكتب الصفراء، وأكوام المجلات المنسية. من بينها نسخ من مجلة «الشبكة» تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، تحمل على أغلفتها صور ممثلات مصريات ولبنانيات وسوريات بتنورات قصيرة بشكل يكاد يبدو مستحيلاً اليوم، في أوضاع تشع ببريق وإغراء لم يعد لهما وجود. مجرد تقليب تلك المجلات أعادني إلى سور الأزبكية القديم — الذي لم يعد موجوداً بالطريقة التي أتذكرها — حيث كان بإمكانك أن تتجول لساعات بين أكوام الكتب والمجلات المغبرة، مكتشفاً عوالم كاملة منسية

كان معظم الموجودين مصريين، بينما تحرك بعض السياح وسط الحشود محاولين فك شفرة هذا المشهد. السيارات كانت تشق طريقها ببطء وسط كتل المشاة، والأبواق تصرخ، والسائقون يتفاوضون على فراغات مستحيلة. كان الشارع يهتز بالحركة. شعرت بالحياة فيه بطريقة لا يمكن للمدن المعقمة أن تحققها أبداً. وسط هذا الاضطراب وقفت مبانٍ حداثية هرمة — باهتة ومتعبة ومبقعة — لكنها ما زالت تحمل آثار لحظة تخيلت فيها وسط القاهرة نفسها مدينة كوزموبوليتانية راقية وحديثة

وكان السوق بأكمله يتمحور حول سينما ديانا، التي بدت، بشكل يثير الدهشة، وكأنها ما زالت تعمل. شاهدت فيها العديد من الأفلام خلال السبعينيات والثمانينيات. مجرد رؤيتها من جديد أطلق سيل ذكريات جاء فجأة ودون إنذار: الوقوف في طوابير التذاكر، دخول برودة بهو السينما المظلم بعد حرارة الشارع، لحظة الترقب قبل أن تضيء الشاشة. كانت سينمات وسط البلد جزءاً من الجغرافيا العاطفية للقاهرة. لم تكن مجرد أماكن لمشاهدة الأفلام، بل فضاءات للخيال والرغبة والتوق والبدايات الأولى للافتتان

غادرت السوق وعدت إلى شارع ٢٦ يوليو متجهاً نحو الأمريكين. افتُتح هذا المطعم في أربعينيات القرن الماضي، وهو مطعم على الطراز الأمريكي، لسكان القاهرة من الطبقة الراقية. تعود ذكرياتي عنه إلى عام ١٩٧٢، عندما اصطحبني خالي نجيب إليه وأنا طفل. أتذكر الطاولات المرتفعة التي كان يجتمع عليها الزبائن وهم يحتسون القهوة بسرعة ويتناولون السندويشات قبل العودة إلى الشارع. وأتذكر زجاجات الخردل المصري الثقيلة والضخمة، التي لم أرَ مثلها من قبل

اليوم ما زالت الواجهة الخارجية متشابهة بشكل لافت. والداخل أيضاً احتفظ بالكثير، وإن كانت هناك الآن طاولات للجلوس ومفارش مطبوعة تحمل شعارات وهوية بصرية توحي بتحول هذا المكان البسيط إلى مؤسسة تستثمر في الحنين الي الماضي. كان هناك حتى فرع آخر قريب. بدا الداخل متسخاً قليلاً، لكن بطريقة مريحة. القائمة تضم القهوة والحلويات والسندويشات ووجبات بسيطة. والزبائن بدوا بوضوح من الطبقة الوسطى؛ بعضهم جاء مباشرة من سوق ديانا حاملاً أكياساً وطروداً بجواره. كان في هذا الاستمرار شيء مطمئن للغاية. في مدينة مهووسة بالهدم والاستبدال، تبقى أماكن كهذه على قيد الحياة بشكل شبه عرضي

أنهيت قهوتي وتابعت سيري نحو مبنى المحكمة العليا وسينما ريفولي. في الطريق مررت بالمكان الذي كان يحتله مطعم الحاتي في طابق علوي من مبنى قديم بوسط البلد. تذكرت الجلوس على الأرض متربعاً بينما كانت الجدران المزينة بأشعار عمر الخيام تحيط بالزبائن في إضاءة خافتة. الطبق الأشهر كان موزة الضأن مع الفتة — طبق غني وثقيل تفوح منه رائحة تكاد تكون مخدرة. وعلى الناصية كان يقف بار ستيلا، المؤدي إلى ممر كانت توجد فيه مطعم إيطالي قديم. أخذني إليه خالي أسامة قبل سنوات طويلة. وما زلت أذكر طلبي للكانيلوني بينما كان صاحب المطعم الكث اللحية يغني بشكل مسرحي: «عمايل إيديا وحياة عينيا». كان الأمر مزيجاً من الأداء والغزل والضيافة والمسرح في آن واحد

بقايا من سينما ريفولي ما زالت قائمة، لكن السينما نفسها لم تعد تعمل. وكحال كثير من قصور السينما في وسط القاهرة، تحولت إلى هيكل مسكون بالذاكرة

وفي طريقي للعودة مررت عبر ميدان الأوبرا الذي يخضع حالياً للتجديد. فندق الكونتننتال القديم هُدم، لكن أجزاء من جدرانه الجانبية تُركت لتُدمج في فندق جديد صُمم ليشبه الأصل. هذه الممارسة الغريبة — هدم مبنى ثم إعادة خلق صورته — تختصر الكثير من تناقضات القاهرة المعاصرة. فالمدينة تدمر نفسها وتخلدها في الوقت ذاته، وكأنها تسعى لأن تصبح نسخة أخرى من دب

قريباً من هناك ما زالت الواجهة الرئيسية لسينما أوبرا تطل على الميدان، رغم أنها لم تعد تعمل كسينما. أما المباني المحيطة فقد تحولت إلى ما يُعرف اليوم بأوبرا مول؛ لكن في تلك اللحظة، طغت الذكريات على الحاضر

تذكرت مشاهدتي لراكيل ويلش في الفيلم المثير للجدل «سين»، ذلك الفيلم المخصص للكبار فقط، والذي تدور أحداثه حول الخيانة في جزيرة صقلية. لكن كل ما ظل عالقاً في ذهني آنذاك كان جسدها وهو يتحرك في الأزقة الضيقة داخل فساتين شديدة الضيق. بالنسبة لمراهق ينشأ في القاهرة خلال السبعينيات، كانت تلك الصور تحمل شحنة اثارة تكاد تكون لا تحتمل. أصبحت السينما بوابة إلى عوالم محرمة: حسية البحر الابيض المتوسط، ورغبات ناضجة، وبريق خطير. ثم جاءت سعاد حسني في «خلي بالك من زوزو»، بدور الراقصة وطالبة الجامعة، حيث كانت رقصاتها — وجسدها المكشوف تحت أضواء المسرح — تمثل نوعاً آخر تماماً من الإغواء. مشاهدتها وهي تتحرك على الشاشة، معلقة بين البراءة والإثارة، بين التقاليد والتمرد، كانت بالنسبة لكثير من أبناء جيلي شكلاً من أشكال التلقين الأول للرغبة. لم تكن سينمات وسط البلد مجرد أماكن للترفيه، بل فضاءات للرغبة نفسها

وعندما وصلت سيارة أوبر أخيراً، غادرت ميدان الأوبرا وأنا أحمل معي انطباعات عن وسط مدينة لم يعد كما عرفته يوماً. الكثير اختفى. السينمات أغلقت. المطاعم اختفت. عوالم حضرية كاملة ذابت في الذاكرة. ومع ذلك ما زال وسط القاهرة يحتفظ ببقايا قوته الإغرائية. شوارعه ما زالت تقدم اللقاءات والمفاجآت والحسية وشظايا من حياة منسية. وعلى عكس المدن المعقمة المصممة للقضاء على الاحتكاك والفوضى، ما زالت القاهرة تسمح للذاكرة والخيال بأن يتعايشا مع التدهور. وربما لهذا السبب، ورغم كل شيء، فإنها ما زالت تغوي أولئك الذين يسيرون فيها


إذا وجدتَ في هذا الموضوع ما يثير اهتمامك ورغبتَ في استكشافه بمزيدٍ من التعمّق، فإنني أدعوك لقراءة كتابي بعنوان "الحداثة/الحداثات العربية: مدنٌ وتاريخٌ وثقافة." الصادر من روتليدج. ". وبالإضافة إلى ذلك، يجري استكشاف هذه المواقع وغيرها في القاهرة ضمن كتابي المرتقب "قاهرتي" المرتقب صدوره من مطبعة الجامعة الامريكية بالقاهرة مطلع عام ٢٠٢٧

Next
Next

الزمالك في الذاكرة: رحلة عبر طفولةٍ زائلة