خِفَّة العابرية التي لا تُحتمل: المستشفى الإيراني في دبي وبقاء الذاكرة

في عام ٢٠٠٨، وكجزء من مشروع رسم خرائط أُجري من خلال مختبري للأبحاث الحضرية، انطلقتُ لاستكشاف أحياء دبي بطريقة منهجية. كان الهدف بسيطًا: تجاوز أفق المدينة ومظاهرها الباهرة، وفهم المدينة على أرض الواقع - من خلال شوارعها ومجتمعاتها والفضاءات التي تربطها ببعضها. قادتني إحدى هذه الاستكشافات إلى جميرا. في ذلك الوقت، كانت جميرا مرتبطة بالفعل بالفلل والشواطئ ومشهد متنامٍ من المقاهي والمتاجر. لكنني لم أكن مهتمًا كثيرًا بالشارع الرئيسي، بل كنت أكثر فضولًا لمعرفة ما يكمن وراءه، في النسيج الحضري الهادئ الذي نادرًا ما يظهر في الصور البراقة للمدينة. هكذا وجدتُ نفسي أبحث عن المستشفى الإيراني

مشهد عام

لم يكن المستشفى الإيراني مجرد مرفق طبي آخر. فقد تأسس عام ١٩٧٠ من قِبل جمعية الهلال الأحمر الإيراني، ولطالما كان مؤسسة حيوية في المشهد الاجتماعي والحضري لدبي. رغم أن المستشفى تأسس على يد الجالية الإيرانية وارتبط بها، إلا أن نطاقه امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فقد كان يعالج الإماراتيين والوافدين والعمال المهاجرين والمقيمين القدامى على حد سواء. في مدينة غالباً ما تتسم بالتشرذم - بحسب الجنسية والدخل والجغرافيا - كان المستشفى بمثابة فضاء مدني مشترك. لم يقتصر دوره على تقديم الخدمات الأساسية فحسب، بل كان يمثل أيضاً شيئاً أسمى: تذكيراً بالروابط العريقة التي تربط دبي بالخليج، وبالعلاقات المتشابكة التي شكلت المدينة قبل عصر المشاريع الضخمة الحالي

لكن ما جذبني إلى هناك لم يكن دوره الاجتماعي فحسب، بل الجانب المعماري. امتد المجمع عبرعدة مبانٍ، مع وجود عيادة خارجية على الجانب المقابل من الطريق. كانت المباني فريدة من نوعها في دبي. كان أسلوبها مزيجاً نادرا - جزء منه فارسي، وجزء آخر فسّره مصمموها على أنه إسلامي - ولكنه متجذر بوضوح في حساسية ثقافية خاصة. زيّنت بلاطات السيراميك المزخرفة الواجهات، وأحاطت الزخارف الهندسية المداخل. أضفت الفتحات المقوسة والأسطح المزخرفة لمسةً من الرقة على الطابع المؤسسي الذي يميز المستشفيات. عند المرور عبر المجمع، ينتاب المرء شعورٌ مميزٌ بالانتقال إلى مكانٍ آخر، إلى بيئةٍ حضريةٍ فارسيةٍ أصيلةٍ نابضةٍ بالحياة، لا مصطنعةٍ أو مسرحية. لم يكن هذا هو الطابع الغريب المُصطنع الذي يميز بيئات البيع بالتجزئة ذات الطابع الخاص. بل كان نقيضًا للساحة الفارسية في ابن بطوطة مول، حيث تُختزل الزخارف الثقافية إلى مجرد استعراضٍ واستهلاك. على النقيض من ذلك، كان المستشفى الإيراني حقيقيًا. كان يعمل. كان يخدم الناس. كانت هندسته المعمارية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية

كان من اللافت للنظر أيضًا كيفية اتصال المستشفى بحيه المحيط. لم يكن مجمعًا معزولًا، بل جزءًا من نسيجٍ حضريٍ أوسع. بالقرب منه، كان يقع ما يُطلق عليه العديد من السكان اسم "مانيلا الصغيرة"، على طول شارع الحديبة، وهو مركزٌ للجالية الفلبينية في دبي. في وسطه، يقع سوبر ماركت المايا لالز، الذي يملكه ويديره رجل أعمال إماراتي، ولكنه يُلبي احتياجات السكان الفلبينيين بشكلٍ أساسي. كان المتجر أكثر من مجرد منفذ بيع بالتجزئة؛ لانه اكد ان دبي مركزًا اجتماعيًا نابضًا بالحياة، ملتقىً للثقافات المختلفة، حيث تتداخل اللغات وتجري فيه الحياة اليومية. ومن هناك، امتد النسيج العمراني نحو منطقة السطوة، بطابعها الجنوب آسيوي المميز - محلات الخياطة، ومتاجر البقالة الصغيرة، والمطاعم الشعبية. ومن بينها مطعم رافي الباكستاني الذي اكتسب شهرة واسعة في دبي. شكلت هذه الأماكن، ببساطتها وتواضعها، ممرًا متصلًا للحياة الحضرية اليومية. ويقع المستشفى الإيراني ضمن هذا النسيج، مما يعزز فكرة أن دبي ليست مجرد مجموعة من الأحياء المعزولة، بل مدينة حقيقية نابضة بالحياة - على عكس الصور النمطية التي غالبًا ما تروج لها وسائل الإعلام الغربية والإقليمية، وأحيانًا المحلية

مدخل شارع الحديبة

فماذا حدث؟

أود أن أوضح أن هذا ليس منشورًا سياسيًا. أتفهم وأقدر الدوافع وراء القرارات الأخيرة. إنها أوقات عصيبة. وجدت الإمارات العربية المتحدة، ودبي على وجه الخصوص، نفسها متورطة في صراع لم تختره. الاعتبارات الأمنية حقيقية، وعلى الحكومات أن تتصرف بما يخدم الأمن القومي. لكنّ تداعيات هذه الإجراءات تتجاوز المخاوف المباشرة، لتطال النسيج العمراني والذاكرة الجماعية للمدينة

في أعقاب الأعمال العدائية والهجمات الأخيرة التي شنتها إيران، أمرت السلطات بإغلاق المؤسسات والمراكز التابعة لها في دبي. أُغلقت المراكز المجتمعية، وعُلقت أنشطة الجمعيات الثقافية. وكان من بين هذه الإغلاقات المستشفى الإيراني. أشارت التقارير إلى توقف الخدمات، وتحويل المرضى، ووضع الموظفين في حالة من عدم اليقين. ولا يزال مصير المجمع نفسه غامضًا. هل سيُعاد افتتاحه بإدارة مختلفة؟ هل سيُحوّل إلى منشأة تجارية - ربما مركز تسوق أو ردهة طعام؟ هل سيصبح مستشفى آخر، يُجرّد من سماته الفارسية المميزة ويُعاد تسميته إلى اسم عام؟ أم سيُهدم بالكامل، ويُستبدل بمشروع فاخر على غرار "سيتي ووك" أو مشاريع مماثلة

في أي من هذه السيناريوهات، يحدث أمر لا رجعة فيه. تُخاطر المدينة بتعزيز صورتها كمدينة عابرة، مكان لا قيمة فيه للذاكرة، حيث تظهر المؤسسات وتختفي دون أدنى اعتبار لأهميتها التاريخية أو الثقافية. تحت راية التقدم، تُطمس عناصر من التراث المعماري. ما يختفي ليس فقط العمارة، بل القصص الكامنة فيها: المرضى الذين عولجوا فيها، والعائلات التي مرت بساحاتها، والمجتمعات التي وجدت فيها مرجعًا مشتركًا

الخاسر الأكبر هم سكان المدينة جميعًا، إماراتيون ومغتربون ومهاجرون قدامى وجدد على حد سواء. لأن الذاكرة ليست حكرًا على فئة واحدة، بل هي نتاج جماعي وتجربة جماعية. عندما يختفي مكان مثل المستشفى الإيراني، تكون الخسارة مشتركة. يُضعف ذلك الروابط التي تربط الناس بالمدينة، مُرسخًا فكرة أن دبي مجرد محطة عبور - مكان للعمل والاستهلاك والرحيل، لا مكانًا للانتماء

المرور الي المستشفي

للذاكرة أهمية بالغة. فهي تربطنا بالماضي وتُرشدنا نحو المستقبل. وبدونها، تُصبح المدن مجرد مناظر طبيعية مُتشابهة، خالية من العمق. في مثل هذه اللحظات، تُقدم كلمات مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تذكيرًا قويًا: "من لا يعرف ماضيه لا يستطيع أن يعيش حاضره مستقبله

لأن المدينة التي بلا ذاكرة هي، في نهاية الأمر، مدينة بلا روح

إذا كنت مهتماً، فإن كتابي الصادر حديثاً بعنوان "الحداثة/الحداثات العربية" يتضمن فصلاً مفصلاً عن دبي.
Next
Next

خان الخليلي ينادي: الذاكرة، الحرفة، و دوام معنى البيت