برلين: بين الأطلال والمتمرّدين والملائكة

ثمة مدن تثير الإعجاب. وأخرى تظل عالقة في الذاكرة. وتنتمي برلين إلى الفئة الثانية. فهي مدينة تُحيِّر زائرها وتراوغه؛ مكانٌ لا يتراجع فيه الماضي تماماً، فيما يظل الحاضر فيه غير مكتمل على الدوام. وكل زيارة لها بدت أقل شبهاً بالوصول إلى مدينة يمكن الإحاطة بها بسهولة، وأكثر شبهاً بخوض رحلة مستمرة من الاكتشاف.

حائط برلين. هنري كارتيه بريسون


كان لقائي الأول ببرلين في سبعينيات القرن الماضي عندما كانت عائلتي تعيش في هانوفر. آنذاك بدت المدينة بعيدة وغامضة، كجزي محاطة بعالم سياسي آخر. كلما أعلن والدي أننا سنقود السيارة إلى برلين، أصبحت الرحلة نفسها جزءاً من التجربة. وبينما كنا نعبر ألمانيا الشرقية بسيارتنا المرسيدس، بدا المشهد الخارجي باهتاً ورمادياً، وكانت الأجواء مشحونة بالحذر والتوتر. ثم فجأة تظهر برلين نابضة بالحياة، وكأن أحدهم أعاد ضبط ألوان العالم. لم أكن أفهم سياسات الانقسام بعد، لكنني أدركت أن عبور الحدود قادر على تغيير إحساسنا بالمكان

بعد سنوات، عدت إلى برلين طالباً جامعياً قادماً من القاهرة ضمن رحلة نظمتها جمعية بيوت الشباب المصرية. أقمنا بالقرب من بحيرة فانزي، وقضينا أيامنا وأمسياتنا نتجول في المدينة. وفي إحدى الليالي، بقيت مع صديقين في وسط المدينة بعد توقف الحافلات عن العمل. وجدنا أنفسنا عالقين بالقرب من مركز أوروبا، نقضي الليل تحت أنظار كنيسة القيصر فيلهلم التذكارية، ذلك الأثر الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. كان رجال الشرطة برفقة كلابهم من نوع الراعي الألماني يجوبون الشوارع الخالية بينما ننتظر بزوغ الفجر. لم يحدث شيء استثنائي، لكن تلك الليلة كشفت شيئاً جوهرياً عن برلين: مزيجها الفريد من القلق والحرية، واليقظة والإمكان

وخلال تلك الزيارة التقيت بصديق والدي القديم، حجازي، الذي نجح في بناء حياة مستقرة في برلين. استقبلني في شقته، حيث بدد عبق الطعام المصري المسافة الفاصلة بين ألمانيا والوطن. ومع مرور الزمن أدركت أن المدن لا تُفهم من خلال معالمها فقط، بل من خلال الناس الذين يعيشون فيها. كانت برلين حجازي مختلفة عن برلين المحطات والحياة الليلية؛ كانت مدينة للانتماء

وفي زيارة لاحقة عام 1986، تأكد لي الطابع الاستثنائي للمدينة. أثناء السفر بالقطار عبر ألمانيا الشرقية، صعد حراس مسلحون لتفتي جوازات السفر والحقائب. حوّل حضورهم رحلة عادية إلى تذكير صارخ بالواقع السياسي. لكن ما إن وصلنا إلى محطة بانهوف تسو حتى دخلنا عالماً مختلفاً تماماً: مزدحماً، فوضوياً، وعالمياً. وخارج مركز أوروبا شاهدت مشادة بين مهاجرين جزائريين وأفارقة تطورت إلى عراك، بينما كان آخرون يضحكون ويلعبون ويرشون الماء في النافورة القريبة. وبعد دقائق ظهر عدد من النازيين الجدد للإبلاغ عن الحادث للشرطة. كان مشهداً لا يمكن أن ينتمي إلا إلى برلين، حيث يتجاور الفرح والتهديد في اللحظة نفسها

مع ناصر امام ارشيف الباوهاوس


وعندما عدت عام 2004 أستاذاً للعمارة، بدت برلين على نحو مدهش كما عرفتها، رغم اختفاء الجدار. أكثر ما أثر فيّ آنذاك كان لقا بامرأة مصرية قطعت رحلة أطول بكثير من رحلتي. كانت تنتظر في متحف تحت ضوء علوي ناعم، وعيناها تتطلعان عبر القرون. كانت نفرتيتي


وأمام تمثالها النصفي في المتحف الجديد شعرت بالفخر والانزعاج معاً. فقد أخذت برلين شيئاً مصرياً بامتياز وحولته إلى واحدة من أعظم كنوزها الثقافية. كان اللقاء تجسيداً لتناقضات المدينة: الإعجاب والاستحواذ، التكريم والفقدان. وقليل من المدن تجبر زائرها على مواجهة مثل هذه الأسئلة المعقدة

نفرتيتي في المتحف الجديد


وتنعكس هذه التناقضات في عمارة برلين نفسها. فالنصب التذكاري للهولوكوست يحوّل الذاكرة إلى تجربة جسدية من الضياع واللايقين. أما المتحف اليهودي فيحوّل الغياب إلى شكل معماري. فيما ترمز قبة الرايخستاغ التي صممها نورمان فوستر إلى الشفافية فوق مبنى مثقل بتاريخ طويل. في كل مكان تبدو العمارة حواراً دائماً مع الذاكرة


وربما التقطت السينما روح برلين بصورة أكثر عمقاً. ففي فيلم «أجنحة الرغبة» لفيم فندرز، تظهر المدينة كما لو كانت تحت مراقبة ملائكة تحلق فوق أسطحها وشوارعها وتستمع إلى أفكار سكانها. أما فيلم «الاستحواذ» لأندريه زولافسكي فيكشف وجهاً أكثر ظلمة، مدينة مشبعة بالارتياب والانقسام. وما زلت أذكر إيزابيل أدجاني وهي تجوب الأنفاق والشوارع مطاردة بقوة غامضة. يقدم الفيلمان معاً صورة لبرلين بوصفها مدينة شعرية ومقلقة في آن واحد

لكن برلين ليست مدينة أشباح فقط. ففي عام 2007، وخلال مشاركتي في ندوة أكاديمية، زرت نهر شبريه وتعرفت إلى مقاومة السكان لمشروعات التطوير العقاري الكبرى. فقد احتل ناشطون موقعاً على ضفة النهر وحولوه إلى فضاء ثقافي نابض بالحياة عُرف باسم «يام»، امتلأ بالموسيقى والفن والحياة العامة. وعلى الرغم من الضغوط الهائلة نجحوا في ضمان حق الجمهور في الوصول إلى الواجهة النهرية. وقد كشف ذلك عن جانب آخر من برلين: مدينة ما زال سكانها يؤمنون بقدرتهم على تشكيل الفضاء الحضري بدلاً من الاكتفاء باستهلاكه

وربما لهذا السبب لا تزال برلين تفتنني. فعلى عكس المدن التي تسعى إلى الكمال، تحتضن برلين عدم الاكتمال. إنها لا تخفي ندوبها ولا تزيل تناقضاتها. فالتاريخ لا يزال مرئياً في الفراغات بين المباني، وفي الأطلال المحفوظة، وفي الأماكن التي كان يقف فيها شيء ما ثم اختفى

وفي آخر مساء لي هناك وقفت على جسر أوبرباوم أراقب الأضواء وهي تنعكس على مياه شبريه. كانت الترامات تعبر النهر، والدراجات الهوائية تمر بهدوء، فيما كانت المدينة تواصل همهمتها المعتادة. لم تبدُ برلين مدينة تنتمي بالكامل إلى الماضي أو الحاضر، بل شيئاً بينهما

وربما تكون هذه أعظم دروسها. فالمدن لا تحتاج إلى أن تكون مكتملة حتى تكون ذات معنى. أحياناً تكون شقوقها وتناقضاتها وحكاياتها غير المكتملة هي ما يجعلها عصية على النسيان

وفي الأسبوع المقبل سأعود إلى برلين من جديد، هذه المرة لإلقاء محاضرة في مركز الدراسات الشرقية الحديثة حول كتابي«الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة. وأجد نفسي أتساءل كيف سأرى المدينة بعد كل هذه السنوات. هل سأجد برلين رحلات الطفولة عبر ألمانيا الشرقية، وليالي محطة بانهوف تسو، ونفرتيتي، ونهر شبريه، والمتمردين الذين احتلوا ضفافه، والملائكة التي كانت تحلق فوق أسطحه؟ أم أن برلين أخرى ستكشف نفسها لي؟

لعل هذه هي هدية المدينة الدائمة: أنها لا تسمح لنفسها بأن تُعرف بالكامل. فكل زيارة تبدو أقل شبهاً بالعودة وأكثر شبهاً بلقاء جديد، فصل آخر في حوار مفتوح بين الذاكرة والتاريخ ومدينة تواصل إعادة اختراع نفسها دون أن تنجح تماماً في الإفلات من ماضيها


وآمل أن تكون نفرتيتي هناك، في انتظاري

الملاك في اجنحة الرغبة

لإلقاء نظرة أعمق على الكتاب، يمكنكم تصفح الموقع الإلكتروني المخصص له، والذي يضم ملخصات للفصول، وصوراً، ومقاطع فيديو تسلط الضوء على محتواه وموضوعاته الرئيسية

Next
Next

بعد مدن الملح: الرياض، دبي، والمدينة الخفية في الخليج