رثاء وسط المدينة: التحديث الحضري، الذاكرة، وتفكك قاهرتي

مقدمة

الكتابة عن المدن والذاكرة في هذه اللحظة تبدو صعبة. فبينما أكتب، تتعرض مدن الخليج لهجمات أشعلتها حربٌ شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل. أجد نفسي قلقًا على أصدقائي وطلابي السابقين وزملائي المنتشرين في أنحاء المنطقة. إنها لحظة محاسبة، لحظةٌ تُحتّم علينا التأمل، وربما المهمة الصعبة المتمثلة في استخلاص العبر حتى لا يتكرر هذا الدمار. في مثل هذه الأوقات، يصبح من الضروري العودة إلى قضايا الذاكرة والمكان، لا كتمرينات عاطفية، بل كأشكال من المقاومة لقوى الطمس والعنف، بغض النظر عن مصدرها. يجب أن تكون هذه المواجهات صادقة وحازمة. لا جدوى من التظاهر بأن "كل شيء على ما يرام". إنه ليس كذلك

مجد وسط القاهرة المتلاشي

في الثالث من يناير، غادرتُ منزلي في المعادي وطلبتُ سيارة اوبر إلى وسط القاهرة. الوجهة: فلفلة. كان الأمر أشبه بطقوس، كأنني أعود إلى مزارٍ مقدس. انطلقت السيارة على الطريق الدائري، متجاوزةً العشوائيات - تلك الأحياء  الغير رسمية المكتظة التي لطالما شكلت ملامح حداثة القاهرة المضطربة. تذكرتُ كتابي "الحداثة العربية" والتوتر الدائم بين الرؤية والارتجال، بين طموح الدولة والبقاء اليومي. من الطريق السريع المرتفع، بدت المدينة كأنها مخطوطةٌ عليها وعودٌ ضائعةٌ وصمودٌ، دخلنا وسط المدينة عبر شارع قصر العيني، واقتربنا من ميدان التحرير بحذرٍ لم يكن بسبب حركة المرور بقدر ما بدا كأنه بسبب الذاكرة. نزلتُ بجوار شارع هدى شعراوي، حيث يقع مطعم فلفلة الشهير بالفول والطعمية. قبل تناول الطعام، احتجتُ إلى المشي قليلاً. اتجهتُ نحو ميدان طلعت حرب

كان مقهى جروبي مغلقًا. مُغطى بالقماش. لا أثر للتجديد، ولا إعلان عن إعادة افتتاحه. مجرد كفن. ذات يوم، كان جروبي بمثابة رد القاهرة على أوروبا، حلمٌ محل حلويات يُردد صدى عصرٍ عالمي. أما الآن، فقد وقف صامتًا، كمسرحٍ بعد رحيل الممثلين. تريثتُ، مُستذكرًا مشاهد من أفلام يوسف شاهين - وخاصةً فيلم باب الحديد - حيث كان وسط المدينة ينبض بالرغبة واليأس. كانت القاهرة في تلك اللقطات فوضوية، نابضة بالحياة، غير مُنمقة. أما هنا، فقد شعرتُ وكأنها مُحنّطة

كانت مكتبة مدبولي مفتوحة، لكنها مُنهكة. واجهتها مُصغّرة، واختفت عروض الكتب والمجلات الخارجية. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت هذه جمهورية أفكار على الرصيف: صحف ترفرف في الريح، ومجلات لامعة، ومنشورات سياسية. أما الآن، فقد بدت مُنغلقة، حذرة. ظلٌ لما كانت عليه. تذكرتُ ثلاثية القاهرة وكيف كانت شخصيات محفوظ تتنقل في وسط المدينة الذي كان متداخلًا، معقدًا أخلاقيًا، ومفتوحًا للقاءات العابرة. هذا التداخل تلاشى

مكتبة مدبولي المتلاشية

ميدان طلعت حرب

أثناء سيري في شارع طلعت حرب، لاحظتُ السقالات وأعمال الترميم الدقيقة. شركة تطوير الإسماعيلية تُرمم الواجهات بشكل منهجي. يعود عصر الزمن الجميل - على الأقل ظاهريًا. عندما كنتُ طفلًا، كان هذا الشارع يعج بمتاجر الأحذية. كان الباعة يملؤون الأرصفة يبيعون الأحزمة والجوارب والألعاب الرخيصة. كانت الفوضى ديمقراطية. الآن توجد مقاهٍ متخصصة، ومطاعم راقية، ومتاجر هدايا تذكارية. وسياح. سياح كثيرون. لا أتذكر أن الوضع كان هكذا من قبل. كان وسط المدينة ملكًا لنا - مزدحمًا، نعم، لكنه لم يكن مُصطنعًا.

لا تزال سينما راديو قائمًة، وإن لم تعد دار سينما. لفترة من الزمن، كانت استوديو تلفزيونيًا. صوّر باسم يوسف برنامجه "البرنامج" هناك قبل أن يحوّله المنفى إلى كوميدي عالمي وناقد سياسي بين الحين والآخر. يحمل المبنى آثار ذلك التمرد. الآن، يضم الممر المؤدي إليه مكتبة ديوان، ومقهى، ومتجرًا للهدايا التذكارية. دخلتُ المتجر بدافع الفضول. عُرضت الأشياء باحترامٍ أشبه بالمتاحف، وبأسعارٍ تتناسب مع ذلك. تفحّص زوجان يابانيان شابان مطبوعات البردي وحليًا نحاسية. للحظة، شعرتُ أنني في حي تراثي مُعدّ للتصدير، لا في وسط المدينة الصاخب الذي عشتُ فيه مراهقتي. في مكانٍ أبعد، احتفظت سينما ميامي بشيءٍ من هالة الغموض التي كانت تُحيط بها. ذات مرة، عندما كنتُ مراهقًا، كنتُ أتوقف لأتأمل معروضات الردهة: صور من أفلام مصرية، وممثلات يرتدين فساتين قصيرة من سبعينيات القرن الماضي، تحررٌ عابر مُؤطّر بالزجاج. لقد اختفى ذلك المشهد تحديدًا، لكن بقيت آثاره. على الجانب الآخر من الشارع تقع سينما مترو، الأكثر رقيًا، حيث شاهدتُ فيلم "الفك المفترس" وأنا صبي - خائفًا ومُبتهجًا - ولاحقًا فيلم "السق مات"، المقتبس من رواية يوسف السباعي الكئيبة. أُغلِقَ مقهى إكسلسيور، الذي كان مُلحقًا بالسينما، مؤسسة أخرى مُحيت دون أي مراسم. مكان آخر أُلقيَ في غياهب النسيان

ثم انطلقتُ في رحلة بحثٍ عبثية للعثور على دار لينرت ولاندروك، ذلك المتجر الأسطوري للبطاقات البريدية الاستشراقية والكتب النادرة. مررتُ بالمعبد اليهودي المُحاط بحراسة مشددة - حواجز، وأمن، تذكير بتاريخٍ مُتشعب وقلقٍ مُستمر. في العنوان السابق للمكتبة: لا شيء. لم تكن موجودة مكانها، متجرٌ الهواتف الجوالة، أصرّ نظام تحديد المواقع العالمي على وجودها في مكانٍ أبعد. لم تكن موجودة. علمتُ لاحقًا أنها انتقلت إلى الطابق العلوي، إلى مساحةٍ أصغر، ولا تزال تبيع نسخها وصورها. لكن في ذلك اليوم، شعرتُ وكأنها استعارة: تراثٌ مُهجّر، مُصغّر، مُخبأ في الطابق الأول. في المقابل، بقيت دار المعارف وعالم الكتب ثابتتين. دور نشر عربية تبدو كما أتذكرها تمامًا. استمراريتها منحتني العزاء والراحة

حينها كنتُ جائعًا جدًا. لم يخيب مطعم فلفلة ظني. الفول والطعمية يُقدمان في نفس الديكور الريفي الذي لم يتأثر بالموضة. إنه أحد المعالم القليلة التي نجت من التغييرات المستمرة التي طرأت على المدينة. بعد ذلك، توجهت سيرًا على الأقدام إلى مقهى ريش، الذي كان يومًا ما ملتقى للثوار والمثقفين والسياسيين. جلس نجيب محفوظ هنا، كما كان يرتاده ممثلون مثل يوسف وهبي وليلى مراد. تزين الصور الجدران، في مشهدٍ منتقى بعناية من الحنين إلى الماضي.طلبتُ مشروبًا محليًا وجلستُ أتأمل. لكن ريش لم تعد رمزًا للتمرد. باتت مقصدًا للسياح العرب والأوروبيين والمصريين من طبقة معينة. خارج الكافيتريا، كان الشباب يلتقطون صورًا شخصية بجانب النافذة. حلّت المظاهر محل السياسة. رأيت مجموعة من المراهقين يبدو انهم من منطقة شعبية يقفون بفضول امام المدخل، شعرتُ أنهم لن يُرحب بهم. أصبح الاندماج جماليًا لا اجتماعيًا

عندما عدتُ إلى ساحة طلعت حرب، لاحظتُ نقطة تفتيش أمنية تشغل جزءًا كبيرًا من الرصيف المقابل لمكتبة دار الشروق. كان الضباط يجلسون باسترخاء الكراسي. خلفهم، مبنى آخر قيد الترميم. المراقبة والترميم يسيران جنبًا إلى جنب. بينما كنتُ أنتظر سيارة أوبر للعودة إلى المعادي، شعرتُ بألم يصعب وصفه. لقد رحل مركز شبابي. ما يظهر هو مشهد تراثي مُنمّق يُلبي احتياجات السياح والأثرياء. ذلك الاندماج الفوضوي - غير الكامل ولكنه حيوي - يُستبدل بنظام مُنسق. دور السينما، وفلفلة، ومقهى ريش: هذه شظايا من الذاكرة، آثارٌ عنيدة

أتذكر فيلم "في الأيام الأخيرة للمدينة". بطلُه يتجول في القاهرة وهي على حافة الهاوية، مُدركًا أن شيئًا لا يُمكن استعادته يتلاشى. لقد صوّر ذلك الفيلم مدينةً مُعلقةً بين الثورة والمحو. لإخماد نار الثورة، ربما يجب أولًا محو آثارها المكانية. محو الذاكرة نفسها

ومع ذلك، سأعود. دائمًا ما أعود. يبقى وسط المدينة فصلًا من فصول "قاهرتي"، حتى وإن أعاد الآخرون كتابته. قد تُرمم الواجهات، وتُنظّم الأرصفة، وتُختار المحلات بعناية، لكن تحت السطح، تستمر إيقاعات المدينة القديمة، خافتةً لكنها مسموعة. القاهرة تُقاوم الفناء. إنها تنوح، وتتأقلم، وتتذكر

Previous
Previous

خان الخليلي ينادي: الذاكرة، الحرفة، و دوام معنى البيت

Next
Next

كتابة الحداثة (أو الحداثات) العربية في زمن المساءلة