الزمالك في الذاكرة: رحلة عبر طفولةٍ زائلة
الذاكرة، الحداثة، و البقاء الهادئ للمكان
في صباح الخامس من يناير/كانون الثاني 2026، عدتُ إلى الزمالك، الحيّ الذي نشأتُ فيه خلال سبعينيات القرن الماضي، مكانٌ غنيٌّ بالذكريات، شظايا ماضٍ لا يزال يُلقي بظلاله الخافتة. كانت هذه الزيارة جزءًا من مشروعي المستمر "قاهرتي"، وهي بمثابة لمحةٍ خاطفةٍ للكتاب نفسه، حيثُ أستكشف حي الزمالك بتفصيلٍ أكبر. لقد عدتُ إليه مراتٍ لا تُحصى من قبل، لكن هذه المرة كانت مختلفة. أردتُ أن أعود إلى جذوري بتأنٍّ أكبر، وأن أزور أماكنَ قديمة، وأن أسير في ما كان يومًا ما ملاذي، وأن أطرح سؤالًا بسيطًا: هل ما زال المكان كما هو؟
كورنيش الزمالك بجانب كوبري ابو العلا. ١٩٨٩
الزمالك، الذي كان يومًا ما حيًا راقيًا يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، قد تغيّر بلا شك. تدهورت أجزاءٌ منه، بينما تكيّفت أجزاءٌ أخرى، أو تحوّلت، أو ببساطةٍ ازدادت صلابةً. ومع ذلك، لا يزال يحتفظ بسحرٍ خاص، ربما هشّ، لكنه راسخ. وصلتُ عبر أوبر إلى شارع السادس والعشرين من يوليو، وانجذبتُ فورًا إلى مطعم ميزون توماس، حيث اعتدتُ تناول الغداء خلال العطلات المدرسية. كنتُ دائمًا أطلب كروك مسيو. اليوم، يبدو المطعم باهتًا، رغم أن واجهته الخارجية لا تزال مألوفة بشكلٍ مطمئن. يحمل المطعم تاريخًا عريقًا، ارتبط في الماضي بشخصيات مثل عمر الشريف، ويديره الآن ابنه، وهو استمرارٌ يعكس قصة الحيّ ككل
بجوارها، مكتبة ديوان بمساحتها الداخلية الشاسعة والرحبة، لا تزال جذابة كما كانت دائمًا. مكانٌ يتباطأ فيه الزمن، مساحةٌ لتصفح الكتب الإنجليزية والعربية، والتأمل فيها بهدوء. أتذكر حين كانوا يبيعون أقراص DVD لأفلام مصرية من سبعينيات القرن الماضي، وكانت أغلفة هذه الأقراص غالبًا ما تحمل صورًا أنيقة وجذابة للممثلات. كان هناك دائمًا شيءٌ غامضٌ بعض الشيء، ولكنه ساحر، في ذلك القسم الصغير. اليوم، لا تزال المكتبة تُبهر بمجموعتها العربية، إلى جانب منشورات دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والبطاقات البريدية، والتذكارات الصغيرة. ركنٌ متواضعٌ للمقهى يدعو الزوار للاسترخاء. في مكان قريب، يتميز مقهى سيلانترو ذو الطابقين بطاولة مشتركة عند المدخل، ذات مرة، وجدت نفسي جالسًا بجوار الممثلة الأسطورية نجلاء فتحي وابنتها، وهو لقاءٌ كان أشبه بالخيال، ولكنه في الوقت نفسه متناغمٌ تمامًا مع روح الزمالك الهادئة والمتنوعة
ليس بعيدًا، أسفل جسر السادس من أكتوبر، كان يوجد مسجد صغير غير رسمي. لقد اختفى الآن - طمس آخر هادئ، بالكاد يُلاحظ إلا إذا كان المرء يبحث عنه
من هناك، توجهت إلى شارع حسن صبري. كان هناك في السابق محل عصائر، حيث كان خالي أسامة يصطحبني إليه، ويطلب كوبًا طويلًا من عصير الفواكه المشكلة مغطى بجوز الهند المبشور. لقد اختفى هو الآخر. عند انعطافي إلى شارع شجرة الدر، وجدتُ سوبر ماركت التميمي لا يزال قائمًا - استمرارية صغيرة لكنها ذات مغزى. اعتادت أمي أن ترسلني إليه لشراء بعض المستلزمات، مهمات صغيرة بدت لي حينها مسؤوليات كبيرة. على الجانب الآخر من الشارع، عرّفتني مكتبة الزمالك على الأدب الإنجليزي. هناك اشتريتُ نسختي الأولى من رواية ديفيد كوبرفيلد، ثم أوليفر تويست - أولى تجاربي مع اللغة الإنجليزية، وربما بداية علاقة عمر مع الكتب
مررتُ بحانة رقم ٢٨، وهو مكان لطالما أثار فضولي منذ صغري. كنتُ أتساءل عما يجري في الداخل، أي نوع من العالم يوجد وراء أبوابه. لم أدخله قط حينها - ولا زلتُ كذلك. من هناك، مشيتُ على طول شارع حسن عاصم باتجاه شارع منصور محمد، حيث كنا نسكن. لا يزال الشارع وارف الظلال وهادئًا، وإن تغيّر قليلًا. في لحظة ما، توقف سائق دراجة توصيل وسألني عن فيلم يُقال إنه صُوّر هناك. كنتُ أُصوّر الشارع بهاتفي، مُلتقطًا تفاصيله وأشخاصه. أخبرته أنني لا أعرف. بقي السؤال عالقًا في ذهني: كيف تُصبح الأماكن خلفيات، وكيف يتقاطع الذاكرة والتمثيل؟
في طريقي، دخلتُ متجرًا صغيرًا للتحف والحرف اليدوية، موجودًا منذ زمنٍ بعيد. اشتريتُ بعض القطع، تذكارات صغيرة تُشير إلى استمرارية المكان. بالقرب منه، جذبني معرض فني، فخرجتُ برسومات أصلية وقطعة قماش مطبوعة بالشاشة الحريرية - أشياء شعرتُ أنها امتداد للمكان نفسه
عند مدخل مبنى سكني في شارع منصور محمد، كان يقع متجر خضير، المعروف بأقلامه وأدوات الكتابة الأنيقة. وهو الآن مُغلق. اختفاء هادئ آخر. انعطفتُ يمينًا، مارًا بالسفارة اللبنانية، وتابعتُ سيري نحو المدرسة الألمانية، بجوار كلية الفنون الجميلة. على الجانب الآخر من الشارع، كان يقع أحد أقدم مطاعم الوجبات السريعة في القاهرة - ويمبي، بزجاجة الكاتشب الشهيرة على شكل طماطم. لقد اختفى الآن، وحلّ محله مطعم هارديز، وهو تحوّلٌ يعكس الكثير عن تغيّر الأذواق والاقتصادات والتأثيرات العالمية
بدأتُ دراستي في المدرسة الألمانية في الصف الخامس عام ١٩٧٣، وبقيتُ فيها حتى عام ١٩٧٨، حين انتقلنا إلى حرم مدرسي جديد في الدقي. لم يعد مبنى المدرسة الأصلي موجودًا، فقد استُبدل بمساكن فاخرة
الذكريات لا تزال حية: المشي في الشارع كطفل، الدخول من البوابات، الفناء حيث كنت ألعب بالكرات الزجاجية، الفناء الخلفي المعروف باسم "كوكاكولا هوف"، فصولنا الدراسية. هناك نشأت صداقات دامت مدى الحياة - حسين، ناصر، مجدي، وغيرهم الكثير. قد يكون المبنى قد زال، لكن النسيج الاجتماعي باقٍ
عدتُ أدراجي إلى بداية الشارع لأرى مبنانا القديم - لا بيرغولا. لا يزال قائمًا، محافظًا على طرازه المعماري الحديث. كان منزلنا الأول في القاهرة، ورؤيته مجددًا أشبه بلقاء جزء مني. من هناك، سلكتُ شارعًا جانبيًا عائدًا إلى شارع شجرة الدر، مارًا بمتجر مغلق - سكارابي - حيث كنا، كأطفال، نتجول داخله بينما كان صاحبه يروي لنا قصصًا عن ماضي القاهرة. لقد كان تعليمًا من نوع مختلف
عدتُ إلى شارع 26 يوليو، واتجهتُ نحو زوبا، وجهتي المقصودة. أثناء سيري، لاحظتُ بوضوحٍ أكبر تلاشي عظمة الزمالك - فيلات متداعية، إحداها تحولت إلى أطلال معلقة أمامها لافتة "للبيع". أمام مطعم زوبا، كان هناك طابور طويل. في الداخل، تناولتُ وجبة حواوشي - النسخة المصرية من البرجر - محاطًا بمزيج من المصريين من الطبقة الراقية، والسياح، والغربيين، وزوارمن الخليج. الزمالك، رغم كل شيء، لا تزال ملتقى طرق
من هناك، توجهتُ نحو سيموندز، وهو مكان عريق، أشبه ما يكون بمقهى أو مطعم صغير. اعتدتُ المجيء إلى هنا لتناول الكابتشينو والمعجنات. أتذكر الرجل نفسه، لسنوات، وهو يعصر عصير البرتقال الطازج باستخدام آلة ضخمة، واقفًا خلف طاولات مرتفعة حيث كان الزبائن يجتمعون. اليوم، تغير الوضع - حلت المقاعد محل الطاولات المرتفعة - لكن لا يزال هناك أثر من السحر القديم. عند مغادرتي، لاحظتُ أشخاصًا يلتقطون صورًا شخصية على الجانب الآخر من الشارع، يوثقون نسخهم الخاصة من المكان
في النهاية، عدتُ إلى المعادي
ما معنى كل هذا في سياق التحولات الأوسع التي تشهدها القاهرة؟ لماذا لا يزال حي الزمالك يجذبني بقوة، رغم كل ما تغير؟ لماذا أعود إليه مرارًا، باحثًا عن ترسيخ ذكرياتي في مدينة تتسم بالتغير المستمر؟ ربما هو الحنين. ربما شيء أكثر تعقيدًا. لم يعد الزمالك الحي الذي عرفته. ومع ذلك، وأنا أسير في شوارعه المتربة وأغمض عيني، أعود بالذاكرة إلى طفولة اتسمت بالفضول والتردد، إلى لحظة بزوغ فجر النضج، حين بدأت ملامح القاهرة - مدينتي - تتشكل في ذهني
أثناء العودة الي المعادي من علي جسر ٦ اكتوبر