بعد مدن الملح: الرياض، دبي، والمدينة الخفية في الخليج

لمن هذه المدينة؟ روايتان خليجيتان تطرحان هذا السؤال

كانت احلي حكاية”. الرياض. ٢٠١٩”

من بين المواضيع المتكررة في هذه المدونة - وفي أعمالي بشكل عام - الفجوة بين مدينة المظاهر والمدينة التي تُعاش فعلاً. مدينة الكتي وناطحات السحاب في مقابل مدينة الذكريات، والعمالة المهاجرة، والشوارع المتربة، والأبواب المفتوحة جزئياً، والأسواق، والصمت، واللقاءات العادية. غالباً ما يكشف الأدب عن هذه المدينة الخفية بشكل أفضل مما تستطيع الهندسة المعمارية أو وثائق التخطيط فعله. مؤخراً، عدتُ إلى روايتين كنت أنوي الكتابة عنهما منذ فترة: "دق الطبول" للكاتب المصري محمد البساطي، و"كائن مؤجل" للروائي السعودي فهد العتيق. تدور أحداثهما في دبي والرياض على التوالي. إنهما روايتان مختلفتان تماماً، لكنهما معاً تُشكلان حواراً غير متوقع حول الغرباء والداخلين، والخيال والذاكرة، واللقاء المضطرب مع الحداثة.

للوهلة الأولى، تبدو رواية "دق الطبول" جذابة للغاية كعمل ساخر. فكرتها جريئة حقًا: منتخب كرة القدم الوطني لإمارة خليجية لم يُذ اسمها - دبي بلا شك - يتأهل لكأس العالم. فيصدر الحاكم على الفور أمرًا لجميع المواطنين بالرحيل إلى فرنسا، تاركًا المدينة في أيدي العمال المهاجرين. يصبح الخفي ظاهرًا. أولئك الذين بنوا المدينة، يرثونها الآن، لفترة وجيزة

إنها فكرة آسرة. ومع ذلك، عند قراءتي لها الآن، خاصة بعد كتابة "الحداثات العربية" ودراسة مدن الخليج عن كثب، وجدت نفسي أشعر بانزعاج متزايد - ليس من السخرية نفسها، بل مما يكمن وراءها

إن خليج البساطي مليء بالصور النمطية التي لطالما شاع استخدامها بين بعض فئات المثقفين العرب، وخاصة في مصر: الخليج كرمز للثراء الفاحش، والغموض الأخلاقي، والكبت الجنسي الذي يخفي انحطاطًا خفيًا، وسكانه كمستفيدين جدد من النفط يفتقرون إلى الأصالة والثقافة. تحت السطح يكمن تسلسل هرمي دقيق: نحن - حاملو الحضارة والتاريخ والتقاليد الفكرية - نراقبهم، الوافدين القادمين من الصحراء الذين أصبحوا فجأة أثرياء.

لطالما طاردت هذه النظرة تصوير منطقة الخليج. غالباً ما تكون غير معلنة، وأحياناً غير واعية، لكنها حاضرة. يُختزل المجتمع الخليجي إلى مجرد خيال، أو استشراق، أو استعراض أخلاقي. تصبح المدينة مسرحاً للقمع والإسراف بدلاً من أن تكون مكاناً يكافح فيه الناس بصدق مع تغير اجتماعي غير مسبوق

ومع ذلك، تبقى رواية "دق الطبول" جديرة بالقراءة، لأنها تكشف، ربما دون قصد، عن شيء أعمق. فالمدينة لا تنجو بفضل مواطنيها، بل بفضل المهاجرين الذين يدعمونها. الأبراج، والحدائق، والطرق، والمنازل، و إيقاع الحياة اليومية برمته: كل ذلك يعتمد على عمال يبقون مجهولين في الروايات الرسمية. تكمن مفارقة الرواية في أنه بمجرد رحيل المواطنين، لا تنهار المدينة، بل تستمر. هذه هي دبي التي كنت أواجهها باستمرار في أعمالي: تجمعات السطوة بعد نوبة عمل طويلة؛ مباريات الكريكيت في الأراضي المهجورة؛ مطاعم المهاجرين في الكرامة؛ الحياة العامة العفوية التي تتكشف في ظلال أفق المدينة المذهل. المدينة الخفية وراء المشهد.

السطوة. دبي. ٢٠٢٥

إذا كانت رواية "دق الطبول" تنظر إلى الخليج من الخارج، فإن رواية "كائن مؤجل" تتحدث من الداخل، والفرق واضح في كل صفحة

قد تكون هذه الرواية من أكثر الروايات المؤثرة التي تناولت المدينة. ليست رياض المشاريع الضخمة أو الروايات الرسمية، بل رياض الشميسي. بيوت طينية. أزقة ضيقة. أسطح تتساقط عليها قطرات الماء عند الغسق. أطفال يركضون في أزقة متربة بينما تتسلل الموسيقى من مشغلات الكاسيت

تتتبع الرواية حياة خالد وعائلته وهم ينتقلون من الرياض القديمة إلى فيلا في الضواحي خلال طفرة النفط. يحقق المنزل الجديد حلمًا دام ثلاثين عامًا، ومع ذلك يصل فارغًا، "واقعًا ملموسًا، لكن بلا روح". تُصوَّر الأحياء الطينية القديمة برقة بالغة. كانت الشوارع أهم من البيوت. كانت الأبواب نصف مفتوحة. اختلطت الأصوات. كان الجيران امتدادًا للعائلة. أصبحت الأزقة مسارح لتمرد الطفولة والحياة الاجتماعية.

أثناء قراءتي لهذه المقاطع، تذكرت مرارًا وتكرارًا الحجج التي طرحتها في كتابي عن الحداثة العربية. غالبًا ما جلب التحديث في المدن العربية تقدمًا ماديًا، ولكنه في الوقت نفسه أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي. لم يكن تحول الرياض - من أحياء طينية إلى فلل خرسانية، ومن حياة اجتماعية صاخبة إلى عزلة خلف الجدران - مجرد تغيير معماري، بل كان إعادة تشكيل للحياة اليومية. وقد عبّر العتيق عن ذلك بدقة متناهية. فالعائلة لا تترك وراءها منزلًا فحسب، بل "وجوهًا، وأحداثًا، وصورًا، وذكريات، وأحلامًا، وأغانٍ". في الضاحية الجديدة، لا أصوات، ولا جيران، فقط جدران عالية وصمت مطبق. تُوصف الرياض بأنها "مدينة لا تدري أهي متدينة أم فاسدة" - أشبه ببوتقة ضغط من الكلمات غير المنطوقة. إنها استعارة رائعة للمجتمعات التي تواجه الحداثة بسرعة هائلة.

ام سليم الرياض. ٢٠٢٤

لم أستطع إلا أن أتذكر رواية "مدن الملح" أثناء قراءة الروايتين. لا تمتلك أي منهما الحجم الملحمي أو الطموح التاريخي الشامل الذي تميزت به رواية عبد الرحمن منيف. لكنهما معًا تكشفان عن شذرات من قصة الخليج التي طرحها: النفط، والتحول، والتهجير، والتمزق الاجتماعي، والتفاعل بين التقاليد والحداثة

لكنهما تكشفان أيضًا عن تباين في كيفية النظر إلى مدن الخليج. تنظر إحدى الروايتين إلى الخارج، إلى المظاهر والإسراف؛ بينما تنظر الأخرى إلى الداخل، إلى الذاكرة والفقد. تعيد إحداهما إنتاج الصور النمطية؛ بينما تُضفي الأخرى طابعًا إنسانيًا. تختزل إحداهما الخليج إلى مجموعة من الكليشيهات؛ بينما ترفض الأخرى ذلك

هذا التباين مهم. فهو يُشكّل ما يُكتب، وما يُترجم، وما يُقرأ عالميًا. وهو مهم أيضًا لفهم مدن الخليج لنفسها

لهذا السبب، تبدو هاتان الروايتان بمثابة رفيقتين لكتابي "الحداثات العربية". يُجادل الكتاب مرارًا وتكرارًا بأن الحداثة في المدن العربية لا يُمكن فهمها من خلال المباني فقط. بل يجب قراءتها من خلال الحياة اليومية، والأدب، والذاكرة، والسينما، والأماكن العامة. وهذا ما تفعله هاتان الروايتان تحديدًا

كما تحمل هذه الأعمال درسًا قيّمًا لمخططي المدن وصناع القرار وسكانها في منطقة الخليج. لا ينبغي الاستهانة بالأدب باعتباره مجرد خيال منفصل عن الواقع الحضري، بل هو بمثابة صدى يعكس الواقع، وقد يكون مشوهًا أحيانًا، وغير مريح أحيانًا أخرى، ولكنه مع ذلك يكشف الكثير

يذكرنا كتاب "دقات الطبول" بمن يحافظون على المدينة رغم غيابهم عن الأنظار. ويذكرنا كتاب "كائن مؤجل " بما يُفقد عندما تُذيب الحداثة الروابط المجتمعية

لذا، فإن التحدي الذي يواجه مدن الخليج اليوم لا يكمن في مجرد بناء المزيد، بل في البناء بطريقة مختلفة: مدن تحتفظ بالذاكرة، مدن تضم المهاجرين لا كعمالة مؤقتة بل كمواطنين فاعلين، مدن تحافظ على الحياة الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع التنمية، مدن لا تتطلب فيها الحداثة النسيان

مدينة للجميع، و ليس فقط لفئة قليلة

الشميسي. الرياض. ٢٠١٩


Previous
Previous

برلين: بين الأطلال والمتمرّدين والملائكة

Next
Next

البيت الذي لم يرحل عني أبداً