الممر بين الذاكرة والركام

ممر السلطان حسن/الرفاعي كما يُرى من شارع محمد علي

في الثاني من يناير/كانون الثاني عام ٢٠٢٦، عدتُ إلى حي القلعة - إلى أرض طفولتي - ضمن بحثي لمشروع "قاهرتي". لم تكن مجرد زيارة ميدانية، بل كانت بمثابة إعادة تقييم

طلبتُ سيارة أجرة عبر تطبيق أوبر بدلًا من الوصول بالطريقة التي اعتدتُ عليها: بالحافلة، سيرًا على الأقدام، او التجوال في الشوارع بلا هدف. شقّت السيارة طريقها عبر مباني الإسكان الشعبي، وانزلقت تحت جسر، ثم اندمجت مع الطريق السريع. عند جسر السيدة عائشة، أشار السائق إلى الأعلى وقال، ببرودٍ يكاد يكون عاديًا: "سيهدمون هذا أيضًا

أصبح الهدم واقعًا ينتشر في القاهرة كالغبار

وصلنا إلى الميدان قرب المجمع الأثري لمدرسة السلطان الحسن ومسجد الرفاعي. لا تزال الحجارة تشعّ بجاذبية تتحدى الزمن. لكن ما لفت انتباهي دائمًا لم يكن العمارة، بل الإجراءات الأمنية: الحواجز، ومكتب التذاكر، وضابط أوقفني بلطف، وسألني إن كنت مصريًا. فالأجانب مُلزمون بالدفع. كانت لهجته ودودة. أصبحت البيروقراطية الآن وسيطاً في عملية الدخول إلى ذاكرة المكان

مدخل الممر محمي بقوات الأمن والحواجز

غادرتُ الممرّ الضخم بين المسجدين، واتجهتُ نحو امتداده، شارع محمد علي، باتجاه مطعم الحاج سعيد - وهو مطعم كبدة مقلية كان يُشكّل نقطة ارتكازٍ لي في جولاتي. كانت صلاة الجمعة تُقام، والأبواب المعدنية مُغلقة. الشارع لا يزال شعبيًا بامتياز - مقاهٍ بكراسي بلاستيكية مُنتشرة على الإسفلت، وباعة خضار يُرتبون الطماطم على شكل أهرامات، ونُدُل يتجولون بين الزبائن، وشباب يُوزّعون منشورات المطاعم

مطعم الحج سعيد

سوق الفواكه والخضراوات في الهواء الطلق

لكن شيئًا ما كان مفقودًا

كان شارع محمد علي شريانًا نابضًا بالموسيقى - صانعو الآلات، ومتاجر العود، وإيقاعات تتسلل إلى الشارع. تلاشى ذلك المشهد الصوتي. اختفت الآلات. هاجرت الموسيقى إلى مكان آخر. ما تبقى هو الارتجال، والبقاء، والضجيج

عدتُ إلى المقهى المقابل للحاج سعيد، وطلبتُ شايًا بالنعناع. لم يصل النعناع كزينة، بل كوفرة - سلة ممتلئة مغمورة في كوب من الماء، تتحدى في كرمها. كان الرجال عائدين من الصلاة، بعضهم يعدل جلابياتهم (الزي المصري التقليدي للرجال)، يتبادلون التحية. جلستُ أراقب، كما كنتُ أفعل قبل عقود - شابًا يدرس العمارة، أتأمل الواجهات والإيماءات بنفس القدر من التركيز

القهوة المقابلة للممر

لم تتغير الحجارة كثيرًا. بقيت أبعاد الشارع كما هي. لكنّ النسيج الاجتماعي تغيّر

بعد تناول الشاي، حاولتُ العودة إلى ممر السلطان حسن و الرفاعي من جهة شارع محمد علي. كان مغلقًا. في الداخل، لم يكن هناك سوى عدد قليل من السياح يتجولون تحت الأقواس الضخمة، التي بدت ضئيلة أمام حجارة المماليك وثقل طموحات السلالة الحاكمة. في الماضي، كان هذا الممر يبدو مفتوحًا - كحلقة وصل حضرية تربط بين التعبد والتجارة والتجول العفوي. أما الآن، فيبدو وكأنه مُنظّم ومُصفّى

في طريق العودة، روت المدينة قصة أخرى

مررنا تحت جسر السيدة عائشة - الجسر نفسه المُقرر هدمه. أخبرني سائق أوبر أنه كان يسكن هناك. كانت لعائلته شقة في المنطقة. أُجبروا على المغادرة بسبب أعمال التطوير الجارية. التعويض؟ ١٨٠ ألف جنيه مصري (٣٦٠٠ دولار)، كما قال. يكفيهم هذا المبلغ إيجارًا لبضع سنوات. الآن يعيش مع والده. يجري إخلاء المنطقة بأكملها، بما في ذلك أجزاء من المقبرة التاريخية. سألته عما سيحل محلها. ابتسم ابتسامةً ممزوجةً بالسخرية والاستسلام: "ممشى". أي ممر للسياح. في الخارج، تكدست حركة المرور في اختناقٍ هائل – آلات، حواجز خرسانية، مسارات مُحوّلة. يبدو أن المستقبل يأتي أولاً على شكل ازدحام

مشهد للميدان المؤدي لشارع محمد علي

في كتاب "قاهرتي"، كتبتُ عن الحركة الموقفية وتجوالها الحرّ - التجول في المدينة لبناء جغرافية نفسية للتجربة لا للمشهد. أطلقوا على خريطتهم اسم "المدينة العارية"، وهي عبارة عن شظايا مترابطة لا بالشوارع بل بالذاكرة. شعرتُ عند عودتي إلى القلعة وكأنني أسلك طريقًا حرًا معكوسًا. فبدلًا من اكتشاف زوايا خفية، كنتُ أبحث عمّا كان يُرسيني يومًا ما - ذلك الشعور الغامض بالانتماء الذي جعل القاهرة تشعرني بالوطن بطريقة لم أشعر بها في أي مدينة أخرى

و لكن بانفصال غريب

ذلك الشعور الذي غمرني في هذا الحي - شعور الكثافة، والصلابة، والقرب المقدس، والارتجال اليومي - لم يعد كما كان. ظلّ يحوم على الأطراف، مراوغًا. ربما لا يُمكن استعادة الانتماء مع مرور الزمن. ربما لا يكمن في المباني بل في ذكريات مؤقتة - في هويتنا عندما التقينا بها لأول مرة

ومع ذلك، وأنا جالس في تلك المقهى، أحتسي كوب الشاي الدافئ، وأستنشق عبير النعناع، ​​وأؤدي دعاءً مرهقًا بعيدًا، شعرتُ بشيء يتغير. للحظة وجيزة عابرة، تلاشى الحاضر. عاد حي القلعة الذي عرفته: انتقلت ثمانينيات القرن الماضي إلى عام ٢٠٢٦، وحلّ الطالب الشاب محلّ الباحث العائد، والمراقب القلق محلّ الكاتب المتأمل

لكن القاهرة لم تعد كما كانت

بقيت عالقة

في زاوية الضوء الساقط على حجر السلطان حسن. في الرصيف غير المستوي الذي عبرته مرات لا تُحصى. في إيقاع الرجال العائدين من صلاة الجمعة

المدن تتغير. تُهدم، وتُعاد بنائها، وتُشيّد فيها المعالم، وتُطهّر. تنهار الجسور؛ وتُقام المتنزهات. تتحول المقابر إلى مناطق تنمية. بينما تتحدث الرواية الرسمية عن التجديد والتحسين والتقدم

لكن تحت هذه الرواية تكمن مدينة أخرى - تلك التي يحملها النازحون، والعائدون، والمتذكرون

لعلّ هذا ما ستتناوله هذه السلسلة: ليس المدن الخفية بالمعنى الجغرافي، بل المدن المختبئة تحت وطأة التجديد، تحت وطأة الحنين، تحت وطأة ذواتنا

مدينةٌ من ممرات

مدينةٌ لم تعد موجودة بكاملها، ومع ذلك ترفض الزوال

للحظةٍ في القهوة، عدتُ بذاكرتي إلى القاهرة. ليس ككاتبٍ يعود إلى مواقع بحثه، بل كشابٍّ يكتشف العالم من خلال شوارعها. لم يدم هذا الشعور سوى ثوانٍ معدودة. ثم عادت أبواق السيارات، ورنّ إشعار أوبر، واستعاد الحاضر مكانه 

لكن الممرّ باقٍ

Previous
Previous

كتابة الحداثة (أو الحداثات) العربية في زمن المساءلة