التجول في برلين، وتذكّر القاهرة

ما الذي كشفته العودة إلى ألمانيا عن المدن والانتماء والتحولات الحضرية

برلين مدينة محكوم عليها أن تكون في حالة تشكل دائمة، لا أن تكون مكتملة أبدا
كارل شيفلر —

سقوط جدار برلين. جنود من ألمانيا الشرقية يحرسون المنطقة أمام بوابة براندنبورغ، بينما يتسلق سكان من ألمانيا الغربية الجدار. برلين الشرقية، ألمانيا، 12 نوفمبر 1989.
© مارك باور

عندما صعدت إلى الطائرة المتجهة إلى برلين هذا الصيف، افترضت أنني أعود إلى مدينة أعرفها جيداً. ففي النهاية لم تكن هذه زيارتي الأولى للعاصمة الألمانية. تمتد علاقتي ببرلين لأكثر من خمسين عاماً: رحلات الطفولة من هانوفر عبر ألمانيا الشرقية في سبعينيات القرن الماضي، ومغامرات الدراسة خلال سنوات الحرب الباردة في الثمانينيات، وزياراتي اللاحقة بصفتي أستاذاً للعمارة، وذكريات لا تُحصى لمدينة بدت دائماً وكأنها موجودة في مكان ما بين الواقع والخيال. وقد رويت بعضاً من تلك الذكريات في مدونة سابقة بعنوان: برلين: بين الأطلال والمتمردين والملائكة

لكن المدن نادراً ما تبقى على حالها. والأهم من ذلك أننا نحن أيضاً لا نبقى كما كنا

وصلت إلى مطار براندنبورغ مساءً. كان سائق الأوبر عراقياً. حتى قبل أن أراه تعرفت إلى نبرة العربية المميزة في حديثه الهاتفي. سرنا عبر شوارع ضواحي هادئة حتى وصلنا إلى الفندق في منطقة شلاختنزيه. كان مكتب الاستقبال مغلقاً، وبدلاً من ذلك طُلب مني عبر الهاتف إدخال رمز في صندوق معدني صغير. سقط المفتاح في يدي. كانت لحظة برلينية بامتياز: فعالة، غير شخصية، لكنها تحمل شيئاً من السحر الغامض

في وقت لاحق من تلك الأمسية توجهت إلى مطعم إيطالي قريب يطل على ساحة مكسيكو بلاتس. كانت وجبة لا تُنسى: زيتون، خبز، زيت زيتون، شريحة لحم بتلو، كريم بروليه، وأخيراً كأس ليمونسيلو قدمها النادل مجاناً. وبينما كنت أجلس أراقب المساء وهو ينقضي من حولي، وجدت نفسي أفكر ليس في برلين، بل في سبب وجودي فيها. أعادتني عاصفة مطرية مفاجئة إلى الواقع وأنا أحاول العودة إلى الفندق من دون أن أغرق تحت المطر

فندق لاندهاوس شلاختنزي — ساحة المكسيك

في اليوم التالي كنت سأقدم محاضرة في مركز الدراسات الشرقية الحديثة حول كتابي «الحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة». وعلى الرغم من أن الكتاب يتناول مدناً متعددة في العالم العربي، من الرباط وبيروت إلى الرياض ودبي، فإن الفصل الخاص بالقاهرة كان يشغل تفكيري أكثر من غيره

في ذلك الوقت لم أكن أدرك أن برلين نفسها ستمنحني طريقة جديدة للتفكير في القاهرة

في ظهيرة اليوم التالي سرت من الفندق إلى المركز في رحلة ممتعة استغرقت نحو أربعين دقيقة عبر شوارع سكنية خضراء تصطف على جانبيها فيلات أنيقة. كان المبنى نفسه مختبئاً خلف الحدائق والمباني الفرعية، واضطررت إلى البحث قليلاً قبل أن أعثر على المدخل. هناك التقيت بزملاء قدامى وجدد. استقبلتني أولريكه فرايتاغ، مديرة المركز، بحرارة. كما وصل خالد، صديق قديم تعود صداقتنا إلى سنوات الدراسة العليا في الولايات المتحدة، ثم إلى سنوات العمل المشترك في جامعة الإمارات. وهناك أيضاً صالح، الباحث الكيني الذي التقيته مصادفة في ساحة المبنى الخارجية؛ سرعان ما وجدنا أنفسنا نتحدث عن المدن والعمران قبل أن يدفعنا المطر إلى الاحتماء في الداخل

ضم الحضور باحثين لم أرهم منذ سنوات طويلة، من بينهم شتيفن فيبل وكاترينا برومبر اللذان دعواني إلى برلين قبل أكثر من خمسة عشر عاماً. كما شارك آخرون عبر الإنترنت من أماكن مختلفة حول العالم، بمن فيهم طلاب وزملاء سابقون مثل لبنى شقفة وصوفيا شويري

كان النقاش الذي أعقب المحاضرة حيوياً ومثيراً للتفكير. وقد بقي سؤال واحد يلاحقني طويلاً بعد انتهاء اللقاء: لماذا، كما سأل أحد الحاضرين، ما زلنا نستخدم مصطلح «الحداثة»؟ هل ما زال قادراً على تفسير التحولات التي تشهدها المدن المعاصرة؟ أم ينبغي أن نتحدث بدلاً من ذلك عن النيوليبرالية أو العولمة أو ربما ما يصفه كثيرون في العالم العربي اليوم بـ «الدبيَنة»؟

كان سؤالاً مشروعاً، وما زلت أفكر فيه حتى اليوم

مركز الدراسات الشرقية. برلين

لكن ما أثار انتباهي أكثر من أي شيء آخر هو أن معظم الأسئلة لم تكن تتعلق بالعمارة في حد ذاتها. كانت تدور حول التعايش والانتماء والذاكرة والطريقة التي تستوعب بها المدن الاختلاف. وبأثر رجعي، أدركت أن هذه القضايا نفسها ستعود للظهور في اليوم التالي بينما كنت أتجول في أحياء برلين

في صباح اليوم التالي استقليت سيارة إلى نويكولن للقاء طالبة دراسات عليا تعمل على موضوع الحداثة القطرية. التقينا في مقهى «جوار»، وهو مقهى مجتمعي يحمل اسماً عربياً يعبر عن حسن الجوار. وبين فناجين القهوة تحدثنا عن العمارة والمؤسسات الثقافية والتحولات الحضرية. وبعد فترة قصيرة انضم إلينا خالد، وما إن انتهى لقائي مع الطالبة حتى انطلقنا سيراً على الأقدام في شوارع الحي المحيط

كانت نويكولن، على الأرجح، برلين التي أردت أن أراها أكثر من أي مكان آخر

بدا الحي مألوفاً على الفور. اللافتات العربية تملأ واجهات المتاجر. رائحة اللحم المشوي تنبعث من المطاعم. مقاهي الأرجيلة تمتد إلى الأرصفة. والحوارات تنتقل بسلاسة بين الألمانية والعربية والتركية والإنجليزية. في بعض اللحظات لم أشعر أنني في ألمانيا بقدر ما شعرت أنني أسير في جزء من بيروت أو دمشق أو عمّان أو القاهرة نُقل بطريقة ما إلى شمال أوروبا

توقفنا لتناول الغداء في مطعم عزّام، وهو مطعم متواضع لكنه يعج بالحركة. حولنا كانت العائلات تتناول الغداء، والطلاب يطيلون الجلوس مع قهوتهم، وسائقو التوصيل يدخلون ويخرجون باستمرار. شاركنا أطباق الكبة والسجق والحمص والتبولة فيما كنا نتحدث عن التحولات التي تشهدها برلين. وبعد ذلك واصلنا السير مروراً بمطعم «كبابجي مصطفي النباتي» الشهير، حيث امتد طابور طويل من الزبائن على طول الرصيف

حي نيو كولن و مقهي جوار

نيو كولن

كبابجي مصطفي النباتي

ما أثار اهتمامي لم يكن مجرد وجود المهاجرين، بل مدى اندماجهم في الحياة اليومية للمدينة. لم تبدُ برلين مدينة مقسمة إلى عوالم منفصلة. بل بدت وكأن مجتمعات متعددة تتداخل وتتقاطع بطريقة طبيعية ومريحة

ومن نويكولن واصلنا السير نحو كرويتسبرغ. قبل عقود كان الحي مرتبطاً أساساً بالجالية التركية في برلين. أتذكر مروري به في زمن لم تكن فيه أي مظاهر للترف. كان حياً عمالياً يقف على أعتاب التحول. أما اليوم فقد أصبح مرادفاً لعمليات التحسين الحضري والارتقاء الطبقي. المقاهي الجديدة تقف إلى جانب متاجر المهاجرين القديمة. والمتاجر العصرية تتجاور مع الأسواق التقليدية، بما في ذلك سوق داخلي للأطعمة يقدم تشكيلة واسعة من المأكولات العالمية. الجدران المغطاة بالغرافيتي تقف إلى جوار مبانٍ جرى ترميمها بعناية

كانت التناقضات واضحة

لكنها بقيت مرئية

لم يكن هناك شيء مخفي. ولم يكن هناك ما يبدو معقماً أو مصقولاً بصورة مصطنعة

رافقتني هذه الملاحظة ونحن نتابع سيرنا نحو كورفورستندام ثم إلى يوروبا سنتر ومحطة بانهوف تسو. كانت هذه أماكن متجذرة بعمق في ذاكرتي الشخصية عن برلين. ففي الثمانينيات كنت أقضي أمسيات طويلة أتجول في هذه الشوارع. أتذكر أجواء الحرب الباردة، وإحساس عدم اليقين، وبالطبع كتاب «نحن أطفال محطة حديقة الحيوان» الذي حوّل المنطقة إلى رمز للإدمان والاغتراب والانحدار الحضري

لقد تغير الكثير منذ ذلك الحين. فمبنى «بيكيني برلين»، الذي كان يوماً مجرد مبنى مكاتب عادي، أصبح مجمعاً تجارياً أنيقاً، وتحول سطحه إلى شرفة عامة مزروعة تطل على المدينة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه التحولات، ظل الحي محتفظاً بصلة واضحة بماضيه

لقد تغيرت برلين

لكنها لم تمحُ نفسها

وهذا فرق جوهري

غلاف الكتاب و مدينة غروبيوس

في وقت لاحق من ذلك اليوم، وبينما كنت أجلس مع خالد نتبادل الأحاديث والذكريات عن مصر والإمارات وأيام الدراسة العليا، بدأت أفهم أخيراً لماذا بدت هذه الزيارة مختلفة عن زياراتي السابقة إلى برلين

كانت المدينة تدفعني إلى التفكير في القاهرة

أحد الموضوعات المركزية التي يتناولها فصل القاهرة في كتاب الحداثة (أو الحداثات) العربية هو العلاقة بين التحديث والمحو. فالقاهرة كانت دائماً مدينة قائمة على التناقضات. المستوطنات غير الرسمية تتجاور مع المجتمعات السكنية المغلقة. الأحياء التاريخية تتعايش مع مشاريع التطوير العقاري المضاربية. والحياة الحضرية اليومية تتكشف في فضاءات يتجاهلها المخططون أو يسعون إلى إزالتها. وتنبع حيوية المدينة تحديداً من هذه التجاورات

ومع ذلك، فإن كثيراً من التدخلات العمرانية المعاصرة، من إعادة تطوير مثلث ماسبيرو إلى بناء العاصمة الإدارية الجديدة، تسعى إلى حل هذه التناقضات عبر الهدم وإعادة التوطين والضبط المكاني

وأثناء تجوالي في برلين أدركت أن المشكلة ليست في وجود التناقضات بحد ذاتها. فجميع المدن العظيمة مليئة بالتناقضات. السؤال الحقيقي هو: كيف تتعامل المدن مع هذه التناقضات؟

تبدو برلين مرتاحة بصورة لافتة للسماح لهذه التناقضات بالبقاء مرئية. فالأحياء الثرية تتجاور مع أحياء أكثر تواضعاً. والمجتمعات المهاجرة تحتفظ بحضور واضح في المشهد الحضري. وآثار الأزمنة السابقة تستمر في الظهور حتى وسط مشاريع إعادة التطوير. المدينة تتغير باستمرار، لكنها نادراً ما تشعر بالحاجة إلى محو ما سبقها

أما القاهرة فتبدو وكأنها تتحرك بصورة متزايدة في الاتجاه المعاكس

فالتعقيد يصبح مشكلة ينبغي حلها

و العشوائية تصبح شيئاً يجب التخلص منه

والذاكرة تصبح أمراً يجب التحكم فيه

والاختلاف يصبح قضية ينبغي تسويتها

وبالطبع، فإن برلين ليست مدينة مثالية. فهي تواجه تحدياتها الخاصة: ارتفاع أسعار السكن، والإقصاء المكاني، والتوترات الاجتماعية، والنقاشات المحتدمة حول الهجرة والهوية. ومع ذلك، فإن ما أثار إعجابي هو استعداد المدينة لاحتضان حالة اللااكتمال

غالباً ما تبدو برلين مدينة غير منجزة

وربما تكمن قوتها بالتحديد في ذلك

في مساء يومي الأخير سرت عبر الغابة باتجاه بحيرة شلاختن. كان المطر قد توقف إلى حد كبير. كانت المياه ساكنة، والأضواء تتلألأ بين الأشجار على الضفة المقابلة. وفي الأفق ظهر هدفي الأخير: مطعم «فيشرهوته»، حيث كانت وجبة بحرية شهية بانتظاري

عندها أدركت أنني قضيت ثلاثة أيام كاملة في برلين من دون أن أزور معظم معالمها السياحية الشهيرة

بدلاً من ذلك، تشكلت ذكرياتي من محادثات مع باحثين، ووجبات شاركتها مع أصدقاء، ولقاءات مع مهاجرين، وتجوال في أحياء المدينة، وتأملات في مدن تقع بعيداً عن ألمانيا

بحيرة شلاختن و مطعم

وربما تكون هذه هي الرسالة الحقيقية التي تعلمتها من برلين

فالمدن لا تُعرَّف بمعالمها الأثرية أو أبراجها أو مخططاتها العمرانية الكبرى

إنها تُعرَّف بقدرتها على استيعاب الاختلاف، واحتضان الذاكرة، والسماح لتواريخ متعددة بأن تتعايش في المكان نفسه

وتكمن حيويتها ليس في الكمال، بل في قدرتها على أن تبقى منفتحة ومتعددة الطبقات وغير مكتملة

وبينما كنت أنظر للمرة الأخيرة إلى مياه بحيرة شلاختن الداكنة، وجدت نفسي أفكر في القاهرة مرة أخرى

ليس في قاهرة البطاقات البريدية أو السرديات الرسمية

بل في قاهرة التناقضات والارتجالات واللقاءات اليومية

القاهرة التي ما زالت صامضة رغم المحاولات المتكررة لإعادة تشكيلها وإعادة صنعها

لم تمنحني برلين إجابات

لكنها ساعدتني على توضيح السؤال

ماذا لو كان مستقبل المدن يعتمد بدرجة أقل على إزالة التناقضات، وبدرجة أكبر على تعلم كيفية العيش معها؟

شارع محمد علي. ٢٠٢٦

إذا أثارت هذه الأفكار اهتمامكم، فأدعوكم إلى قراءة فصل القاهرة في كتابي الحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة. الكتاب متوافر عبر دار النشر ومنصة أمازون. كما سترد تأملات إضافية حول القاهرة في كتابي القادم قاهرتي، المقرر صدوره عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة في مطلع عام ٢٠٢٧

Next
Next

حين أغرق أهل القرية الحلم