مساجد بلا مآذن
الإيمان الخفي وعمارة الانتماء
ملصق مثير للجدل من حملة الحزب الشعبي السويسري الناجحة المناهضة للمآذن في عام 2009 (كيستون)
وجدتُ نفسي مؤخرًا في لييج، أعمل كممتحن خارجي لأطروحة دكتوراه حول التوزيع المكاني للمساجد في بلجيكا، من تأليف محمد البوجوفي. كانت أطروحة ممتازة، بحثت بدقة وحُججها قدمت ببراعة. لكن ما رسخ في ذهني بعد المناقشة لم يكن نتيجة إحصائية أو رؤية منهجية، بل سؤالًا طغى على النقاش: الظهور. هذه القضية ليست بالهينة. ففي جميع أنحاء أوروبا، أصبح ظهور المجتمعات المسلمة أمرًا مثيرًا للجدل بشكل متزايد. وقد حوّل تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين، والنجاح الانتخابي للأحزاب اليمينية، وتزايد المخاوف بشأن الهوية والانتماء، و جميعها مسائل معمارية تبدو عادية إلى ساحات معارك سياسية. هل ينبغي أن تحتوي المساجد على مآذن؟ هل ينبغي أن تكون معالم بارزة؟ هل ينبغي أن تندمج مع محيطها؟
لكن بينما كنت أستمع إلى النقاش، وجدت نفسي أطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا. لماذا يصر بعض الزعماء المسلمين على إعادة إنتاج رموز معمارية مثل القباب والمآذن كدلالات على الوجود الديني؟ لماذا يجب التعبير عن الهوية من خلال أشكال تُصوَّر غالبًا على أنها خالدة وجوهرية للإسلام، بينما هي في الواقع ليست كذلك؟ يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة اليوم لأن لغة الأغلبية والأقلية القديمة تبدو قاصرة بشكل متزايد. فنحن نعيش في عالم تتداخل فيه الهويات وتتعدد فيه الانتماءات. في كثير من المدن، يُعتبر كل فرد أقلية بشكل أو بآخر. علاوة على ذلك، و كما أشار ستيفانو ألييفي، احدي اعضا لجنة الامتحان، فإن الصراع شرط ضروري لمجتمع سليم و فعال
والأهم من ذلك، أنه لا يوجد في الإسلام أي شرط ديني يُلزم المسجد بوجود قبة أو مئذنة. يمكن أن يكون المسجد في أي مكان، سواء أكان غرفة، أو فناء، أو مستودع، أو خلف واجهة متجر، أو حتى زاوية منزل. إن فكرة وجود "عمارة إسلامية" واحدة ومميزة هي في معظمها خرافة. تاريخيًا، تطورت عمارة المساجد من خلال التكيف. فقد استوعب المسلمون الأوائل التقاليد المعمارية القائمة وحوّلوها. وظهر الجامع الأموي الشهير في دمشق على أنقاض معبد روماني، ثم لاحقًا على أنقاض كنيسة مسيحية. يُعدّ تحويل آيا صوفيا في إسطنبول مثالاً آخر معروفاً على استمرارية العمارة وإعادة تفسيرها. فما نعتبره أشكالاً إسلامية ثابتة، هو في الواقع نتاج تبادل ثقافي وظروف تاريخية
المسجد الأموي (ويكيبيديا) وآيا صوفيا (الششتاوي)
تذكرت هذا قبل سنوات عديدة خلال زيارة إلى بكين. مسجد نيوجيه، المعروف أيضًا باسم مسجد شارع الثيران، هو أقدم مسجد في بكين، بُني عام ١٤٤٢، ويشبه إلى حد كبير معبدًا صينيًا تقليديًا. يتميز بسقفه المنحني بأناقة. وتضمنت عناصره الزخرفية التنانين. لم تكن هناك مئذنة ضخمة تُعلن عن وجوده. فقط عند التدقيق، ظهرت دلائل دقيقة: خط عربي مكتوب بأشكال تُشبه الأحرف الصينية، ومئذنة صغيرة مخفية داخل المجمع. كانت الرسالة واضحة لا لبس فيها. لم يكن المسلمون الذين بنوا هذا المسجد يسعون إلى إظهار الاختلاف، بل كانوا يُعبرون عن الانتماء. لم تكن عمارتهم صدامية، بل حوارية. لقد احترمت محيطها مع الحفاظ على عقيدتها. لفتة تواصل وتعايش
مسجد نيوجيه (1442). بكين (إلششتاوي)
عادت إليّ تلك الذكرى في لييج
ولكن قبل عودتي إلى بلجيكا، تبادرت إلى ذهني صورة أخرى
قبل عدة سنوات، صادفتُ كتابًا رائعًا للمصور نيكولو دي جورجيس بعنوان "الإسلام الخفي". ولا يزال هذا الكتاب من أقوى الدراسات التي اطلعتُ عليها حول الحياة الإسلامية في أوروبا. تصميم الكتاب مبتكر. فكل صفحة تعرض في البداية صورة بالأبيض والأسود لواجهة مبنى عادي. مستودع. مرآب. واجهة متجر. مبنى سكني. لا شيء يبدو لافتًا للنظر. ومع ذلك، عند طوي الصفحات نكتشف صور ملونة نابضة بالحياة للداخل. فجأةً، يفسح المظهر الخارجي المألوف المجال لعالم روحي ثري مليء بالمصلين، وسجادات الصلاة، والخط العربي، والحياة المجتمعية. التأثير البصري عميق. ما يبدو غير مرئي من الخارج يخفي في داخله كونًا كاملًا. يوثق الكتاب واقع إيطاليا المعاصرة، حيث لا يستطيع ملايين المسلمين الوصول إلا إلى عدد قليل من المساجد المعترف بها رسميًا. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تُقام العبادة في أماكن مرتجلة: مصانع مهجورة، ومستودعات، ومرائب، ومتاجر. كتاب آخر لا يقل روعةً عن سابقه، يتناول مساجد مدينة نيويورك بعنوان "مسجد نيويورك". يضم الكتاب صورًا ومقالات ومقابلات توثّق المساجد التي شيّدتها الجاليات المسلمة في نيويورك، كاشفًا كيف تعكس هذه المباني هوية المسلمين وتُشكّلها ضمن نسيج حضري كثيف ومتنوع
تكشف الصور حقيقةً مهمة. فهناك مدنٌ خفية، ولكن هناك أيضاً مساجدٌ خفية. غالباً ما تظهر المساحات غير المرئية لا لأن المجتمعات ترغب في الاختباء، بل لأن الظروف لا تترك لها خياراً آخر. لهذا الأمر دلالاتٌ بالغة الأهمية. فعندما لا تتوفر أماكن عبادة شرعية ومتاحة، تتراجع الحياة الدينية إلى الخفاء. وتظهر غرف الصلاة في الأقبية، والمخازن، ومرافق مؤقتة بعيدة عن أنظار العامة. ويُظهر التاريخ أن هذا الاختفاء قد يُفضي أحياناً إلى عواقب غير مقصودة. نتذكر هنا ما يُسمى بـ"خلية هامبورغ"، التي لعب أعضاؤها دوراً محورياً في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر في نيويورك. وقد تطورت أنشطتهم إلى حد كبير بعيداً عن أعين العامة ومراقبتهم.
لا يعني هذا أن المساجد غير الرسمية تعتبر مشكلة، بل على العكس تماماً. في الواقع، كانت أكثر أماكن العبادة أصالةً وتأثيراً و التي صادفتها غير رسمية . ففي القاهرة، رأيتُ المصلين يُحوّلون المساحات الحضرية المتبقية تحت الجسور إلى مساجد عاملة. وفي أبو ظبي، تظهر أماكن الصلاة تلقائياً بين المباني أو على طول الأرصفة، تُنشئها المجتمعات استجابةً لاحتياجاتها المُلحة. في شارع التحلية بالرياض، أحد أكثر شوارعها التجارية أناقةً، يقف صندوق بسيط يحوي سجادات صلاة على ناصية الشارع. عند سماع الأذان، تُفرش السجادات على الرصيف، فيظهر مسجدٌ عفوي، سرعان ما يختفي بعد دقائق. تتميز هذه الأماكن بطابعٍ فريد، فهي مبنيةٌ بأيدي الناس، وللناس، دون معماريين أو لجان أو طموحاتٍ كبيرة. تُذكّرنا هذه الأماكن بأن المسجد في جوهره فعلٌ لا مجرد شكل، وتجمعٌ لا مجرد مبنى
مسجد تحت كوبري 6 أكتوبر. الزمالك. شارع 26 يوليو . 1994 (الششتاوي)
المساجد غير الرسمية في أبو ظبي (الششتاوي)
مسجد غير رسمي. شارع التحلية. الرياض (الششتاوي)
ومع ذلك، يبقى التوتر قائماً. كيف يمكن إنشاء أماكن عبادة مرئية دون تحويل العمارة إلى ساحة معركة رمزية؟ يزداد السؤال إثارةً للاهتمام عندما ندرك أنه لا يوجد نموذج واحد لتصميم المساجد. فبعض المساجد المعاصرة الأكثر جاذبية تتحدى عن قصد التوقعات التقليدية، لا يعدّ مصلى حديقة فرح في طهران أكثر من مجرد شكل مكعب بسيط التصميم. أما مسجد البرلمان في أنقرة، فيستخدم الزجاج في محرابه، مما يتيح للمصلين الاستمتاع بإطلالات واسعة في الخارج. وفي دبي، يعيد مسجد المدية تفسير الكندورة الإماراتية التقليدية، محولاً الملابس إلى عنصر معماري. في حين يستكشف مسجد مركز الملك عبد العزيز المالي في الرياض أشكالاً هيكلية مبتكرة لا تشبه النماذج التاريخية إلا قليلاً. تذكرنا هذه المشاريع بأن العمارة هي تفسير وليست مجرد تقليد
غرفة الصلاة (kamrandiba.com)
من اليسار إلى اليمين (باتجاه عقارب الساعة): مسجد المديّة، دبي؛ مسجد مركز الملك عبد الله المالي، الرياض (الششتاوي)؛ مسجد مجلس البرلمان، أنقرة (أرشنت)
وهذا ما يعيدني إلى لييج
بعد مناقشة الاطروحة بنجاح، قضيتُ فترة ما بعد الظهر أتجول في المدينة برفقة محمد ومشرفه جاك تيلر. لا تُعدّ لييج وجهة سياحية أوروبية شهيرة، فهي تفتقر إلى الشهرة العالمية التي تتمتع بها جاراتها بروكسل وباريس وأمستردام وبرشلونة. ومع ذلك، فهي تتمتع بسحر هادئ. صعدنا سلالم شديدة الانحدار متتبعين مسار أسوار المدينة القديمة، وشاهدنا كنائس وكاتدرائيات تُظهر طبقات من التاريخ المعماري المتراكم عبر القرون. تجولنا في شوارع ضيقة تصطف على جانبيها مبانٍ أنيقة تُشير إلى الرخاء والانحدار وإعادة البناء. وفي إحدى اللحظات، وصلنا إلى ساحة عامة واسعة كانت تقف عليها كاتدرائية رائعة. اليوم، لم يبقَ منها شيء سوى علامات رمزية مُدمجة في النسيج العمراني تُشير إلى وجودها السابق
وعلى مقربة منها، يقف قصر العدل المهيب
يحمل هذا الموقع ذكريات مؤلمة. فقبل سنوات، شنّ مهاجر مغربي هجومًا من شرفة مرتفعة، أسفر عن سقوط العديد من القتلى والجرحى. ومثل العديد من المدن الأوروبية، تحمل لييج ندوب العنف والهجرة وسوء الفهم والتوتر الاجتماعي. لكن ربما اللحظة الأكثر كشفًا لم تحدث في كاتدرائية أو ساحة عامة، بل في شارع جانبي. هناك، يكاد يكون مخفيًا عن الأنظار، يقف مبنى عادي تمامًا. لا شيء يميزه عن المباني المجاورة سوى الكتابة العربية على نوافذه الزجاجية. خلف تلك الواجهة المتواضعة، كان هناك مسجد يعمل بكامل طاقته
ليس له مئذنة. او قبة. ولا هو تحفة معمارية لافتة. ومع ذلك، كان يعمل علنًا، وبشكل قانوني، وبموافقة كاملة من المدينة . مسجد خفي؟ ربما. ولكنه أيضًا مثال ناجح للتعايش
لاحقًا، استمتعنا بوجبة لذيذة في مطعم نباتي صغير قبل أن نعود أدراجنا. في اليوم التالي، كنت جالسًا في قطار مغادر من لييج-غيلمين، مركز النقل المذهل الذي صممه سانتياغو كالاترافا. وبينما كان القطار يتسارع نحو مطار بروكسل حيث واصلت رحلتي إلى برلين، شاهدت المدينة تتلاشى في الأفق. بدت لييج هادئة ومتواضعة. مدينة غالبًا ما يتجاهلها الزوار. مكان غائب عن معظم البرامج السياحية. لكن تحت سطحها تكمن قصص لا تُحصى: الهجرة، والذاكرة، والإيمان، والصراع، والتكيف، والانتماء
وسط مدينة لييج القديمة
مسجد خفي في لييج
نادرًا ما تكون المدن الخفية خفية حقًا، فقصصها تُتجاهل ببساطة. وينطبق الأمر نفسه على المساجد الخفية. في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال في وجود قبة أو مئذنة في المسجد، ولا في إعلانه عن وجوده من خلال تشكيل معماري مذهل، بل السؤال الأهم هو: هل يُعزز الانتماء؟
لقد رافق هذا الموضوع الكثير من أعمالي الأخيرة. يظهر في كتاب الحداثة العربية، حيث تُصبح العمارة عدسةً لفهم الهوية والتفاوض الثقافي. وقد أثر في بحثي حول المدن المؤقتة في الخليج، حيث تُنشئ مجتمعات المهاجرين أماكن ذات معنى ضمن بيئات عابرة. كما شكّل مذكراتي الشخصية القادمة و تحيتي لمدينتي، "قاهرتي"، حيث لا ينبثق الانتماء من المعالم الأثرية، بل من اللقاءات اليومية والذكريات المشتركة
لعل هذا هو درس لييج
الإيمان لا يحتاج إلى الظهور ليوجد، ولكن لا ينبغي أيضًا إجباره على الاختفاء. بين التظاهر والتكتم يكمن دربٌ أشدّ صعوبة: التعايش
وأحيانًا لا يبدأ هذا الدرب بمئذنةٍ شامخةٍ تعلو الأفق، بل بمدخلٍ متواضعٍ في زقاقٍ هادئ، يدعو من يعرفون أين ينظرون للدخول والتأمل، فيجدوا بعض السكينة
"جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"