حين أغرق أهل القرية الحلم
حسن فتحي، والقرنة، والحكاية غير المكتملة للحداثة العربية
لييج، بلجيكا ٦ يونيو ٢٠٢٦
أتواجد حالياً في مدينة لييج للمشاركة كممتحن خارجي لأطروحة دكتوراه تتناول التوزيع الجغرافي للمساجد في بلجيكا، وهو موضوع يثير بالضرورة أسئلة تتعلق بالظهور في المجال العام، واللغة المعمارية، والهوية. وبينما كنت أتأمل هذه القضايا، وجدت نفسي أعود بالتفكير إلى حسن فتحي، الذي واجه إشكاليات مشابهة قبل عقود عندما سعى إلى إنشاء قرية نموذجية لسكان القرنة بالقرب من الأقصر في صعيد مصر. وكما أوضحت في كتابي «الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة»، فقد انطلقت أعماله من رغبة صادقة في صياغة عمارة متجذرة في الثقافة المحلية والتقاليد، لكنها كشفت أيضاً عن التعقيدات والتناقضات التي تنشأ عندما تُصاغ الهوية من الأعلى، بدلاً من أن تنبثق من التجارب المعيشية للناس أنفسهم
قرية القرنة القديمة. الأقصر. 2006
تظل بعض اللقاءات المعمارية عالقة في الذاكرة مدى الحياة. أما لقائي أنا فلم يبدأ بمبنى، بل بكتاب. في عام ١٩٨٥، وكنت آنذاك طالباً شاباً في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وجدت نفسي متطوعاً في المؤتمر السنوي للاتحاد الدولي للمعماريين الذي استضافته الجامعة. كان حدثاً استثنائياً بكل المقاييس. تدفق المعماريون من مختلف أنحاء العالم إلى القاهرة، وكنا نحن الطلاب نتطلع إليهم بإعجاب، مفتونين بالأفكار الكبرى والضيوف الأجانب، وإن كنا نشعر في الوقت ذاته بشيء من الإحباط من تعليم معماري بدا وكأنه يكتفي بتعليمنا كيف نرسم، لا كيف نفكر
ثمة لحظة من ذلك المؤتمر لا تزال محفورة في ذاكرتي. كان حسن فتحي، الذي أصبح آنذاك شخصية أسطورية في الأوساط المعمارية العالمية، لكنه ظل مهمشاً بصورة غريبة داخل المؤسسة المعمارية المصرية، يتسلم الميدالية الذهبية للاتحاد الدولي للمعماريين. ما زلت أذكر نفسي جالساً وسط الحشود في قاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة، أراقب رئيس الاتحاد وهو ينحني أمامه ليقدم له الجائزة. بدت اللحظة رمزية إلى حد بعيد. ها هو معماري اعتبره كثيرون من أبناء المهنة مجرد ظاهرة محلية هامشية، يتلقى واحداً من أرفع الأوسمة المعمارية في العالم
لكنني، في الحقيقة، كنت أعرف حسن فتحي قبل ذلك بسنوات
جاء التعارف الأول عبر والدي. ذات يوم أهداني نسخة من كتاب «عمارة الفقراء». وإلى جانبها مجلة معمارية سويسرية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، تضمنت ملفاً خاصاً عن أعمال فتحي. كانت الصور آسرة. قباب، وأقبية، وأفنية داخلية، وأروقة مظللة، وقرى تبدو وكأنها نبتت من الأرض نفسها. كل ذلك بدا مختلفاً تماماً عن العمارة التي كنا ندرسها في الجامعة. في جامعة القاهرة تعلمنا أن نعجب بلو كوربوزييه، وميس فان دير روه، وفالتر غروبيوس، وبالتراث الكامل للحداثة الغربية. أما حسن فتحي فلم يكن له مكان في المنهج الدراسي. ولم يرد اسمه حتى كحاشية صغيرة تحت عنوان «العمارة التقليدية». كانت عمارته وفلسفته ورؤيته للعالم تُعد، في نظر أساتذتنا، غير جديرة بأي اهتمام أكاديمي جاد
لكن تلك الصور استحوذت عليّ. كانت توحي بإمكانية أخرى. هنا كان معماري يجادل بأن الحداثة لا ينبغي أن تأتي دائماً مستوردة من الخارج، بل يمكن أن تنبع من المواد المحلية، والمناخ، والتقاليد، وأنماط الحياة اليومية. بالنسبة لطالب شاب يبحث عن بدائل، بدا حسن فتحي ثورياً بكل معنى الكلمة. أردت أن أرى القرنة بنفسي. وجاءت الفرصة خلال رحلة جامعية إلى صعيد مصر. وكحال أجيال من طلاب العمارة قبلنا، سافرنا جنوباً لدراسة آثار مصر القديمة. لكن اهتمامي كان في مكان آخر. فبعد زيارة وادي الملوك، أقنعت مشرف الرحلة بالتوقف في القرنة الجديدة.
ما وجدته هناك لم يكن القرية التي رأيتها في الصور. أتذكر أنني كنت أحدق من نافذة الحافلة باحثاً عن القباب التي سحرتني لسنوات. ظهرت أخيراً، لكن بصعوبة. كانت المباني تتداعى. أضيفت ملحقات عشوائية إلى الواجهات. تراكمت النفايات في الساحات العامة. وبدا السوق مهجوراً. أما القرية النقية التي عرفتها من الصور اللامعة فقد تحولت إلى شيء مختلف تماماً
لم ينزل من الحافلة سوى عدد قليل منا. أما بقية المجموعة فبقيت في أماكنها، منشغلة باهتماماتها الخاصة، تنظر إلى تلك المباني المتداعية باعتبارها إهانة لفكرة العمارة الجادة. وما إن وطأت أقدامنا الأرض حتى أحاطت بنا مجموعة من الأطفال وعرضوا علينا أن يدلونا على بيت حسن فتحي»
سرنا خلفهم عبر الأزقة الضيقة نستكشف ما تبقى من القرية. وبرغم مظاهر الخراب، ظل هناك شيء سحري في المكان. احتفظ المسجد بألفته ووقاره. واستمرت الأروقة في تشكيل أنماط رائعة من الضوء والظل. أما النسب المعمارية فبقيت بديعة كما هي. ومع ذلك، كان هناك أيضاً شعور عميق بالحزن
وقفت فوق سطح أحد المنازل برفقة زميليّ علي ومجدي، نتأمل الجدران المتشققة والأفنية المتداعية، ووجدت نفسي أطرح سؤالاً ظل يرافقني لعقود: إذا كان هذا المشروع يحظى بكل هذا الاحتفاء، فلماذا فشل؟
اكتشفت لاحقاً أن الإجابة أكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به كتب تاريخ العمارة
تصور حسن فتحي القرنة بوصفها حداثة بديلة. أراد أن يخلق عمارة متجذرة في الثقافة المحلية بدلاً من استيراد النماذج الدولية الجاهزة. وقبل أن يتحدث مؤرخو العمارة بسنوات طويلة عن «الإقليمية النقدية»، كان فتحي يواجه السؤال الذي طرحه الفيلسوف بول ريكور: كيف نصبح حديثين من دون أن نفقد صلتنا بجذورنا؟ وفي جوانب كثيرة، سبق عصره بالفعل
لكن القرنة كشفت أيضاً حدود هذه الرؤية
من اليسار إلى اليمين: مسجد القرية؛ أروقة السوق (1984)
مسرح القرية؛ فناء المسجد (1984)
الوقوف أمام المسجد (من اليسار إلى اليمين: أنا، مجدي، علي، استاذ سمير)؛ سطح منزل حسن فتحي (مجدي، أنا، علي)
فلم يكن السكان مجرد متلقين سلبيين ينتظرون التنوير. كانت لديهم أولوياتهم واقتصادهم وتطلعاتهم الخاصة. رفض كثيرون الانتقال. ورأى بعضهم أن القباب تشبه المقابر أكثر مما تشبه البيوت. واعترض آخرون على الابتعاد عن مصادر رزقهم. والأهم من ذلك كله أن القرية لم تسمح بالنمو التدريجي والتكيف المستمر اللذين يميزان المستوطنات التقليدية. كانت المنازل مصممة بعناية، لكنها كانت أشياء مكتملة ونهائية. أما القرى الحقيقية فلا تكتمل أبداً
ويظهر هذا التوتر بوضوح في التمثيلات الثقافية المصرية للقرنة. ففي رواية «الجبل» وفيلمها المقتبس عنها، يتحول المعماري إلى شخصية مأساوية ومتعالية في آن واحد، مقتنعة تماماً بصواب رؤيته لكنه عاجز عن إقناع من يسعى إلى مساعدتهم. وفي أحد المشاهد الشهيرة يهاجم الأهالي المستوطنة الجديدة بالمشاعل المشتعلة. قد يكون ذلك خيالاً، لكنه يستند إلى حقيقة أعمق. أما الواقع فلم يكن أقل درامية. ففي مرحلة من المراحل، يُقال إن الأهالي فتحوا بوابات المياه، مما أدى إلى إغراق أجزاء من القرية بمياه النيل
غلاف كتاب وملصق فيلم "الجبل"
هنا اصطدمت العمارة بالحياة اليومية
ولهذا السبب تحديداً أصف القرنة بأنها «فشل مثير للاهتمام
فالفشل لا يقلل من أهميتها، بل على العكس تماماً. ولعل أهميتها تنبع أساساً من فشلها. لقد أدرك حسن فتحي مبكراً كثيراً من أوجه القصور في الحداثة السائدة. فهم أهمية المناخ، والهوية، والمعرفة المحلية، والاستمرارية الثقافية قبل أن تصبح هذه الموضوعات رائجة في الخطاب المعماري. لكنه وقع أيضاً في فخ شائع بين الحداثيين: الاعتقاد بأن المعماري يعرف دائماً ما هو الأفضل للناس. كان هناك قدر من الأبوية الكامنة في المشروع
والمفارقة المأساوية أن العمارة التي صُممت للفقراء تحولت تدريجياً إلى عمارة للأثرياء. فمع مرور الوقت استُخدمت لغة فتحي المعمارية، المتمثلة في القباب والأقبية والأفنية، في المنتجعات الفاخرة والمجمعات السكنية الحصرية والمشاريع النخبوية. وما بدأ مشروعاً اجتماعياً انتهى إلى أسلوب جمالي تحولت «عمارة الفقراء» إلى «عمارة الأغنياء». وربما تكون هذه هي أكثر الدروس دلالة
منتجع شيراتون ميرامار. المهندس المعماري: مايكل غريفز. الجونة، البحر الأحمر. مصر
فالحداثة في العالم العربي لم تكن يوماً مجرد اختيار بين التقليد والتقدم. لقد كانت صراعاً أكثر تعقيداً، يتعلق بالسلطة والهوية والتمثيل، وبالسؤال الجوهري حول من يملك حق تقرير شكل المستقبل الأفضل
وتذكرنا القرنة بأن العمارة لا يمكن فرضها من الأعلى، مهما حسنت النوايا. فالهوية لا تُصمم على طاولة الرسم، بل تنبثق من الناس أنفسهم: من ممارساتهم، وطموحاتهم، وتكيفاتهم، وحياتهم اليومية
ولهذا لا يزال حسن فتحي يثير اهتمامي حتى اليوم. لقد رفض قبول الأمر الواقع، وسعى، ربما عبثاً، إلى البحث عن طريق آخر: طريقة مختلفة للبناء، وطريقة مختلفة للرؤية
وبعد ما يقرب من ثمانين عاماً، ما زلنا نخوض النقاش نفسه، ونواجه التحديات ذاتها، ونطرح الأسئلة نفسها
وكأننا لم نتعلم شيئاً على الإطلاق
هذا المقال مستل من الفصل الثاني «القرنة: فشل مثير للاهتمام» من كتابي «الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة»، الذي يتناول الكيفية التي تعامل بها المعماريون والمخططون والكتّاب وسكان المدن العاديون في أنحاء العالم العربي مع وعود الحداثة وتناقضاتها. ويتعمق الفصل في تاريخ القرنة وتمثيلاتها الثقافية وتأثيرها على الحركات المعمارية اللاحقة، وما تكشفه تجربتها عن الهوية والسلطة والانتماء في المدينة العربية الحديثة. إذا أثارت هذه القضايا اهتمامكم، فأدعوكم إلى استكشافها بمزيد من التفصيل عبر موقعي الإلكتروني، أو من خلال اقتناء الكتاب من الناشر أو من متاجر الكتب الإلكترونية. كما أنه متوفر في العديد من المكتبات الجامعية حول العالم