غرباء في مدينة غريبة
ما الذي كشفه كامو عن الجزائر—ولماذا لا يزال ذلك مهماً اليوم؟
“مشهد من “الغريب
هناك كتب تبقى معنا طويلاً بعد أن ننتهي من قراءتها. ليس بسبب حبكتها، ولا حتى بسبب أفكارها، بل لأنها تغيّر الطريقة التي نرى بها العالم. كانت رواية الغريبلألبير كامو واحدة من تلك الكتب بالنسبة لي. ومثل كثير من القرّاء، قرأتها في البداية بوصفها استكشافاً للوجودية والعبث. فقد بدا ميرسو، بطل الرواية المنعزل واللامبالي، تجسيداً لرؤية كامو لعالمٍ منزوع المعنى، يواجه فيه الإنسان لا مبالاة الوجود وقسوته. لكن مع عودتي إلى الرواية عبر السنين، بدأت أكتشف فيها بُعداً آخر. فخلف التأملات الفلسفية كان هناك شيء لا يقل إثارة: صورة للجزائر في زمن الاستعمار، وبشكل أكثر تحديداً صورة لمدينة الجزائر نفسها.
مؤخراً شاهدتُ النسخة السينمائية الجديدة من الغريب، صُوِّر الفيلم بالأبيض والأسود بإتقانٍ بصري لافت، وأعاد إحياء عال كامو بصورة نابضة بالحياة. انكشفت أمام المشاهد أزقة الجزائر الاستعمارية الضيقة، وعماراتها السكنية، ومقاهيها، حمامات السباحة العامة، ودور السينما، وواجهتها البحرية بوضوحٍ أخّاذ. وبينما كان ميرسو يتنقّل في المدينة، وجدت نفسي أقل اهتماماً بالسرد وأكثر انجذاباً إلى الفضاءات التي يشغلها
يفتتح الفيلم مشاهده بصورٍ للقصبة المكتظة بالحياة قبل أن ينتقل إلى الحكاية المألوفة: اعتقال ميرسو ومحاكمته. ومن خلال سلسلة من الاسترجاعات الزمنية نرافقه إلى جنازة والدته ثم نعود معه إلى المدينة حيث يستأنف روتين حياته المعتاد. نرى شوارع تعجّ بالحركة، وجادات أوروبية أنيقة، وساحات عامة مزدحمة، ودور سينما لا يُسمح بدخولها إلا للفرنسيين دون السكان الأصليين، كما تعلن لافتة معلّقة في اابهو، إضافة إلى المتاجر والمقاهي. ومع ذلك، فإن أكثر ما أثار انتباهي لم يكن ما أظهره الفيلم، بل ما أخفاه.
فيلم «الغريب»، إخراج فرانسوا أوزون، ٢٠٢٥/٢٠٢٦.
إن الجزائر التي تقدّمها رواية الغريب مدينة منقسمة
فالمستوطنون الأوروبيون يشغلون الشوارع الواسعة، والفضاءات العامة المصانة بعناية، والأحياء المنظمة التي تبدو منفصلة تقريباً عمّا يحيط بها. أما الجزائريون الأصليون فلا يظهرون إلا على الهامش. تتحول المدينة إلى مسرح تُنقش عليه السلطة الاستعمارية في تفاصيل الحياة اليومية. فالفصل بين السكان ليس مجرد واقع سياسي، بل هو جزء لا يتجزأ من المشهد العمراني نفسه. وكانت هذه الملاحظة إحدى نقاط الانطلاق الأساسية للفصل الذي خصصته لمدينة الجزائر في كتابي الحداثة (أو الحداثات) العربية. يناقش الفصل كيف غيّر الاستعمار المدن الجزائرية، وكيف تحولت العمارة إلى أداة للهيمنة والضبط والمراقبة. لكنه يطرح أيضاً سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما يستولي الناس على الأشكال العمرانية التي فُرضت عليهم أصلاً لتسهيل السيطرة عليهم ويعيدون توظيفها وفق احتياجاتهم ورؤاهم؟
“مشاهد من “الغريب
هذا السؤال يقع في صميم تجربة الحداثة في العالم العربي
كثيراً ما تنحصر النقاشات حول العمارة الحديثة في المنطقة بين طرفين متناقضين: الاحتفاء والإدانة. فالتدخلات الاستعمارية تُقدَّم إما بوصفها أدوات للتقدم والتحديث، أو تُرفض باعتبارها فرضاً أجنبياً على المجتمعات المحلية. لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير. فالمباني والشوارع والمخططات العمرانية نادراً ما تظل وفية للنوايا الأصلية لمصمميها. وما إن تُسكن وتُستخدم حتى تكتسب معاني جديدة. يعيد الناس تكييفها وتشكيلها ومقاومتها، وفي نهاية المطاف يجعلونها جزءاً من عالمهم الخاص. وربما تُعد الجزائر واحدة من أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام على هذه العملية. فالمدينة احتضنت بعضاً من أكثر التجارب المعمارية والتخطيطية طموحاً في القرن العشرين. سعت السلطات الاستعمارية الفرنسية إلى إعادة تشكيل المجتمع الجزائري من خلال الفضاء العمراني، وطرح المعماريون رؤى كبرى للمدينة، من بينها مشاريع لو كوربوزييه الشهيرة، وعلى رأسها «مخطط أوبوس، كما هدفت مشاريع الإسكان وشبكات البنية التحتية والتطويرات الحداثية إلى فرض نظام اجتماعي معين على المشهد الحضري الاستعماري
ومع ذلك، فإن هذه المشاريع لم تتحقق أبداً بالشكل الذي تصوره أصحابها، أو أنها لم تُنفذ أصلاً
لقد أعاد السكان توظيف هذه الفضاءات بطرق لم تكن متوقعة. فتحولت المباني المصممة للضبط والسيطرة إلى أماكن للحياة اليومية، وتحوّلت الأحياء التي أُنشئت كأدوات للهيمنة إلى فضاءات للتضامن والمقاومة، كما حدث في مشروع «كليما دو فرانس» الذي أصبح مع مرور الزمن جزءاً من حي باب العود. استوعبت المدينة هذه التدخلات وفي الوقت نفسه أعادت تشكيلها وفق منطقها الخاص. وهذا التوتر بين الفرض والاستحواذ هو ما يجعل الجزائر مدينة آسرة إلى هذا الحد
كما يفسر ذلك المكانة المحورية التي تحتلها الأدب والسينما في الفصل الذي خصصته للمدينة. فالمدن لا تُعاش من خلال العمارة وحدها، بل تُفهم أيضاً عبر القصص والذكريات والصور والمشاعر. تكشف رواية الغريبلألبير كامو عن نسخة معينة من الجزائر: مدينة استعمارية تُرى من خلال عيون مستوطن أوروبي. لكن منظوراً مختلفاً يظهر في رواية تحقيق ميرسوللكاتب كمال داود. يعيد داود سرد حكاية كامو من وجهة نظر شقيق العربي المجهول الذي قتله ميرسو. ومن خلال ذلك يمنح صوتاً لمن جرى محوه من السرد الأصلي. تظهر المدينة بصورة مختلفة؛ فالشوارع والأحياء والذكريات التي بدت هامشية في عالم كامو تصبح هنا مركزية. ما كان خفياً يصبح مرئياً
مخطط اوبوس (مؤسسة لي كوربوزييه)
كليمات دي فرانس. فيرنانديز پويلون. ١٩٦٠ — ٢٠٠٠
إن قراءة الروايتين معاً تكشف حقيقة عميقة: المدن ليست كياناً واحداً أو قصة واحدة. فهي تحتوي على تواريخ متعددة، وسرديات متعددة، وأشكال متعددة من الانتماء. فما يبدو منظماً ومنطقياً من منظور معين قد يبدو إقصائياً من منظور آخر. وما يُقدَّم بوصفه حداثة وتقدماً قد يحمل في الوقت نفسه آثار العنف والاقتلاع والتهميش. وربما لهذا السبب أجد نفسي أعود مراراً إلى الحديث النبوي الشريف: بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. يتجاوز هذا القول سياقه الديني ليحمل معنى إنسانياً أوسع. فنحن جميعاً غرباء بطريقة أو بأخرى. نعبر المدن بحثاً عن الانتماء، بينما نواجه الاختلاف والذاكرة والفقدان. نسكن فضاءات شكلتها تواريخ لم نصنعها بأنفسنا، ونرث مشاهد عمرانية تتراكب فيها سرديات متعارضة ومتصارعة
الجزائر مدينة الغرباء
إنها مدينة تتجاور فيها الجادات الاستعمارية مع الأحياء الشعبية الأصيلة؛ وتتقاطع فيها ذكريات الاحتلال مع ذكريات التحرر؛ وتصل فيها الحداثة عبر الهيمنة، قبل أن يعاد تشكيلها من خلال ممارسات الحياة اليومية. إنها مدينة ترفض التفسيرات البسيطة والقراءات الأحادية.يستكشف فصل الجزائر في كتاب الحداثة (أو الحداثات) العربية هذه التناقضات من خلال العمارة والأدب والسينما والتاريخ الحضري. ويتتبع تحوّل المدينة من عاصمة استعمارية إلى حاضرة ما بعد الاستعمار، بينما يطرح أسئلة أوسع حول معنى الحداثة في العالم العربي. والأهم من ذلك أنه يسلط الضوء على الكيفية التي يسكن بها الناس العاديون الفضاءات، ويعيدون تأويلها، ويستعيدون في النهاية أماكن لم تُصمَّم أصلاً من أجلهم
بالنسبة لي، ليست الجزائر مجرد دراسة حالة. إنها تذكير بأن المدن أرشيفات حيّة للصراع والذاكرة والإمكانات الكامنة. ولكي نفهمها حقاً، علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من المباني والمخططات. علينا أن نصغي إلى القصص، وأن نتتبع الأصوات المنسية، وأن نلتفت إلى أولئك الذين ظلوا طويلاً على الهامش.
عندها فقط يمكننا أن نرى المدينة بكل تعقيداتها
إذا أثار هذا الموضوع اهتمامكم، فأدعوكم إلى استكشاف فصل الجزائر على موقعي الإلكتروني، وربما إلى اقتناء كتاب الحداثة (أو الحداثات) العربيةمن خلال الناشر أو عبر أمازون