إعادة اكتشاف الرياض
الذاكرة، والحداثة، ومدينة أبي
سافرنا إلى مدينة اليمامة، التي تُسمى أيضًا هاجر... مدينة جميلة، خضراء، بها أنهار وأشجار؛ يسكنها قبائل عربية، معظمهم من بني حنيفة
ابن بطوطة، ١٣٣١
امتد أمامنا وادٍ واسعٌ مفتوح... وظهرت العاصمة، كبيرة ومربعة، تعلوها أبراج شاهقة وأسوار حصينة
ويليام ج. بالغراف، ١٨٦٣
وادي حنيفة (كيث ويلر)
تختلف الرياض عن أي مدينة أخرى في الخليج. علاقتي بها لا تنفصل عن طفولتي، وعن المسيرة المهنية لوالدي، وعن بعض أقدم ذكرياتي في شبه الجزيرة العربية. فقد وصل إليها عام ١٩٧٤ ليعمل أستاذًا للعمارة في ما كان يُعرف آنذاك بجامعة الرياض، ثم لحقت به والدتي وشقيقي وأنا قادمين من القاهرة في وقت لاحق من العام نفسه. ومنذ ذلك الحين، ظلت الرياض ترافقني بطرق لم أتوقعها؛ غابت عن حياتي لعقود، ثم عادت لتحتل مكانة متزايدة الأهمية، ليس فقط في أبحاثي، بل أيضًا في فهمي لمنطقة الخليج بأسرها
وأثناء تأملي في الفصل الذي خصصته للرياض في كتابي الحداثات العربية: المدن، التاريخ والثقافة، وجدت نفسي أفكر في الاستمرارية التي توحي بها الاقتباسات التي تستهل هذه التدوينة. فقد صادف ابن بطوطة مدينة واحة مزدهرة، تتحدد ملامحها بالمياه، والأشجار، وقبيلة بني حنيفة. وبعد أكثر من خمسة قرون، وصف ويليام بالغريف عاصمة صحراوية محصنة ترتفع فوق وادٍ فسيح. وقد تبدو المدينتان مختلفتين تمامًا، لكن كلتيهما تلتقط الرياض في لحظة تحول عميق، تمامًا كما فعلت لقاءاتي المتعاقبة معها. وبدلًا من سرد هذه اللقاءات من خلال ترتيبً زمنيً، أعددت فيلمًا قصيرًا يرافق هذه التدوينة. ويتألف من ثلاثة فصول: الوصول و العودة و إعادة الاكتشاف، ويجمع بين صور عائلية، ومواد أرشيفية، ومشاهد من عملي الميداني الأخير، ليروي حكاية هي في آنٍ واحد شخصية وحضرية بامتياز
١ الوصول
مطار الرياض القديم (كارت بريدي)
يفتتح الفيديو بمشهد جوي مع هبوط الطائرة فوق الرياض، مدينة تبدو بلا نهاية، تحيط بها رحابة المشهد النجدي الممتد. ثم تنتقل الصورة إلى وادي حنيفة، الوادي الذي شكّل الرياض عبر قرون طويلة. وعلى أنغام موسيقى نجدية تقليدية، يبدأ الفصل الأول، عام ١٩٧٤، بمجموعة من الصور التي تبدو اليوم أقرب إلى مشاهد من زمن بعيد. يظهر مطار الرياض القديم، بمبناه المتواضع ذي الطابق الواحد، المؤلف من سلسلة من الغرف الصغيرة، في الموقع الذي تمتد فيه اليوم حديقة الملك سلمان. ثم ينتقل المشهد إلى شارع الوزير، الذي كان آنذاك من أكثر شوارع الرياض أناقة، تصطف على جانبيه المحال الراقية، والمطاعم، والمكتبات. وما زلت أذكر تجوالي فيه مع والدي، ومشاهدتي للباعة اليمنيين وهم يفترشون الأرصفة ببضائعهم، قبل أن يجمعوها في لحظات ويختفوا حالما يظهر رجال الشرطة
وتُظهر صورة أخرى لوالدتي، وشقيقي، وأنا، إلى جانب سيارة والدي من طراز فولكسفاغن بيتل، بالقرب من برج المياه الشهير، الذي كان يقف آنذاك عند أطراف المدينة. وعندما أنظر إلى تلك الصور اليوم، يصعب عليّ أن أصدق كم كانت الرياض مدينة صغيرة ومدمجة. وتوثّق صور أخرى رحلات إلى الصحراء مع زملاء والدي الأردنيين في الجامعة، إضافة إلى المشهد الذي كان يطل عليه من شرفة شقته في البديعة، حيث كان قصر الملك سعود السابق يلوح في الأفق. كانت الشقة بسيطة، لكنها بدت في عيني شاب مراهق واسعة، تغمرها أشعة الشمس، وتكسو أرضياتها الرخام، وتفيض بإحساس عميق بالإمكانات؛ تلك هي الرياض التي عرفتها، قبل وقت طويل من أن تكتسب المكانة العالمية التي تتمتع بها اليوم
٢ العودة
اطفال شرق الرياض (الششتاوي)
يبدأ القسم الثاني من الفيديو، العودة، في عام ٢٠١٨. فقد مرّ أكثر من أربعين عامًا على زيارتي الأولى، وبينما كانت الطائرة تحطّ في مطار الملك خالد الدولي، وجدت نفسي أطرح الأسئلة التي تلازم كل عودة طويلة الانتظار: ماذا تغيّر؟ هل سأتعرّف على المدينة؟ هل أصبحت الرياض مجرد حاضرة خليجية أخرى، أم أنها سلكت طريقها الخاص؟ جاءت هذه الزيارة بدعوة من تلاميذ والدي السابقين، الأمير عبدالعزيز بن عياف، أمين الرياض السابق، ورئيس جامعة الأمير سلطان، وزاهر سلطان، الذي كان يشغل سابقًا منصب رئيس مركز الحوكمة المحلية في الجامعة. وعلى مدى الأيام التالية، عرّفوني على مدينة بدت لي في الوقت نفسه غريبة ومطمئنة على نحو غريب محادثاتنا كانت، بالنظر إلى ما تلاها، بداية رحلة أخرى، قادتني في نهاية المطاف إلى كتابة كتاب كامل عن الريا
يتتبع الفيديو هنا إعادة الاكتشاف من خلال لمحات عابرة لا معالم بارزة. فعند المرور عبر شارع العليا، يرتفع في الأفق ظل برج الفيصلية المستقبلي، معلنًا عن رياض جديدة مع أنه لا يزال يعترف بالرياض التي أعرفها. لكن انتباهي كان يتجه مرارًا إلى مواضع أخرى: عربة طعام تتلألأ أضواؤها في حي عادي؛ عمال مهاجرون باكستانيون يلعبون الكريكيت قرب متنزه الفوطة، أحد أقدم الفضاءات العامة في الرياض؛ وفي الحراج، سوق المدينة الشهير للسلع المستعملة، حيث يعلو صوت المحرج منتظمَ الوقع بين الحشود المتجمعة حول سلع مستعملة تحمل قصصًا متنوعة بتنوع أصحابها. وفي فندق الخزامى، الذي لم يعد قائما بعد هدمه منذ سنوات قليلة، تظهر ردهته الأنيقة، ظل فصل آخر من تاريخ الرياض الحديث حاضرًا بهدوء. وقد أوقفني صبيان صغيران في شرق الرياض ليطلبا مني تصويرهما، وهما يتباهيان بثقة الطفولة العفوية. وفي سوق صغير للمزارعين شمال المدينة، رقص بائع بجانب منتجاته بينما تنقّل الحمّالون بين أعمدة مغطاة بالكتابات الجدارية حاملين الخضار والفاكهة للزبائن
كشفت هذه المشاهد عن رياض بعيدة كل البعد عن تلك التي تصورها الكتيبات الدعائية اللامعة — مدينة لا تكمن قوتها الحقيقية في عمارتها المبهرة، بل في حياتها العامة اليومية. ولم يكن هذا أكثر وضوحًا من شارع التحلية، الذي يمثل رد الرياض على الشانزليزيه. فبعد أن كان يهيمن عليه السيارات، تحوّل إلى ممر مزدحم بالمشاة، تجتمع فيه الأسر، وتفيض المقاهي على أرصفته الواسعة، وتشغل فيه النساء الفضاء العام بثقة كان يصعب تخيلها خلال زيارتي الأولى في السبعينيات. ثم ينتقل الفيديو جنوبًا إلى متنزه عكاظ البيئي، الذي يمثل بذاته قصة إعادة ابتكار حضري: فما كان في الأصل مكبًا للنفايات تحوّل إلى مساحة خضراء تقضي فيها الأسر أمسياتها، تحيط بأطرافها أكشاك بائعين غير رسميين يعرضون الوجبات الخفيفة والمشروبات واللعب والسلع المنزلية
وادي السلي. جنوب الرياض (الششتاوي)
تلتقط الصور الأخيرة في هذا الجزء ما قد يصبح أحد أهم المعالم الطبيعية المستقبلية للرياض. في يومي الأخير، توجهنا إلى الحافة الجنوبية للمدينة عند بداية مشروع وادي السُّلَي، الممر البيئي الذي سيمتد في نهاية المطاف شمالًا نحو المطار. كانت أمطار غزيرة قد سقطت في صباح ذلك اليوم، ولبرهة قصيرة امتلأ الوادي بالمياه — لمحة من المشهد الطبيعي الذي شكّل هذه المنطقة قبل أن يطمسه التوسع العمراني. وبينما كنت أشاهد المياه تتدفق عبر مجرى النهر القديم، تذكرت مجددًا وصف ابن بطوطة لليمامة بأنها أرض الأنهار والأراضي المزروعة. وربما لم تكن الرياض تبتكر مستقبلًا جديدًا، بل كانت تعيد اكتشاف أحد أقدم المشاهد الطبيعية التي ظلت دائمًا تحملها
٣ إعادة الاستكشاف
جامعة الملك سعود (الششتاوي)
يعكس الجزء الثالث والأخير من الفيديو، إعادة الاكتشاف، و قد كان، من نواحٍ كثيرة، الأكثر عمقًا ومعنى من بين لقاءاتي الثلاثة مع الرياض. فبحلول عودتي في عام ٢٠٢٤، لم أكن أزور مجددًا مدينة طفولتي فحسب، ولا أوثّق تحولًا عمرانيًا فقط. بل وجدت نفسي، دون قصد واضح، أتتبع خطى والدي، أزور الأماكن التي عاش فيها وعمل وبنى حياته خلال سنواته الأخيرة في المدينة
يفتتح هذا الجزء في البطحاء، الحي الذي يكشف جانبًا من الرياض نادرًا ما يظهر في الصور الترويجية: شوارع مزدحمة، وأسواق للخضار واللحوم، ومحال لبيع الآلات الموسيقية، وممرات مسقوفة تنبض بالحياة بفضل واحدة من أكثر المجتمعات المهاجرة تنوعًا في المملكة — حي نابض بالحيوية، فوضوي، وعميق الإنسانية. وتشمل المشاهد مبنى فهد بن محمد السكني، أحد المعالم الحداثية المهمَلة في المدينة، الواقع قرب شارع الثميري، وفندق الإنتركونتيننتال، حيث أتذكر أنني كنت أذهب مع والدي في طفولتي لمشاهدة الأفلام في إحدى قاعات الاجتماعات التي حُوّلت إلى صالة سينما، لأن دور السينما كانت محظورة في جميع أنحاء المملكة. وأتذكر أيضًا ردهته الشاهقة. ولا يزال الفندق قائمًا إلى اليوم، وإن كان حضوره المهيمن سابقًا قد طغت عليه المباني المحيطة به الآن
ومن هناك، تتبع الرحلة مسار حياة والدي المهنية عبر المدينة. فتظهر في الأفق البرجان التوءمان، اللذان صممهما كينزو تانغه، التابعان لمؤسسة الملك فيصل، مستحضِرين الفترة التي عمل فيها هناك بعد أن ترك جامعة الرياض. علاوة على ذلك، زرت للمرة الأولى حرم جامعة الملك سعود الذي صممته شركة إتش أو كي، مكان لم أكن أعرفه إلا من خلال قصصه؛ فقد كان يمزح كثيرًا بأن الطلاب الذكور كانوا يتجمعون في ساحتها المركزية لمشاهدة طالبات كلية الطب وهن يعبرن في طريقهن إلى المختبرات. كما زرت الجامعة الأصلية في الملز، حيث درّس في السبعينيات؛ ومع أنها كانت متواضعة مقارنة بخليفتها، ظللت أتخيله يسير في ممراتها، يتوقف للحديث مع الطلاب بين المحاضرات
عمارة الرصيص (الششتاوي)
اتخذت الرحلة طابعًا شخصيًا وأنا أبحث عن المباني التي عاش فيها والدي في وقت ما. فبعد شقته الأولى في البديعة، انتقل إلى مبنى الرصيص في شارع الوزير، الذي كان يُعد وقتها أحد أرقى العناوين السكنية في الرياض. لم أزره هناك يومًا وأنا شاب، إلا أن رؤية المبنى اليوم — لا يزال قائمًا بشكل لافت، محتفظًا بطابعه الحداثي — سمحت لي أن أتخيل ذلك الفصل من حياته. وفي وقت لاحق، سكن في عمارة الملكة، وهو مجمع سكني مرتبط بفندق. وفي وقوفي هناك، فهمت أخيرًا لماذا اختار ذلك الحي: قربه من متنزه الفوطة، وإحاطته بشوارع نابضة بالحياة ومجتمعات مهاجرة لا تزال حيويتها تميز وسط الرياض عن ضواحيها الأحدث
٤ خاتمة
أرغب في أن أختم هذا المقال ليس ببناء بل بلقاء. فخلال العمل الميداني، أجرينا أنا وزميلي مقابلات مع عدد من المعماريين السعوديين، ومن بينهم علي الشعيبي، الشريك المؤسس لشركة بيئة. وعند اقتراب حديثنا من نهايته، توقف لحظة وسألني: هل أنت ابن حسن الششتاوي؟ وعندما أجبته بنعم، ارتسمت على وجهه ملامح تأثر واضحة. وقال: عملنا معًا في جامعة الملك سعود في السبعينيات، كان رجلًا كريمًا وطيب القلب. وقبل أن نفترق، أعطاني نسخة من كتاب أُلّف عن أعماله، موقّعة بتخصيص لوالدي الراحل. تصافحنا، وخرجنا إلى ضوء عصر الرياض المشرق، وابتعدت حاملًا الكتاب، متأثرًا بلقاء لم أكن أتوقعه على الإطلاق
وحين أستعيد هذه اللحظة، أدرك أنها الخاتمة الحقيقية — ليس للفيديو فقط، بل للقصة التي حاولت أن أرويها في فصلي عن الرياض. فالمدن تدوم بفضل من يسكنها ومن الذكريات التي يتركونها خلفهم. وكان والدي يذكّرني دومًا بأن العمارة ليست مجرد مبانٍ، بل هي إطار للحياة، بنية تتكشف من خلالها القصص اليومية. وربما هذا ما كنت أبحث عنه طوال هذه الرحلات الثلاث — ليس رياض المشاريع الضخمة أو الأفاق المعمارية المبهرة، بل المدينة الأكثر هدوءًا التي تسكن الذاكرة والصداقة والكرم واللقاءات اليومية. وتلك هي الرياض التي تظل ترافقني قبل كل شيء، وأتمنى أن ينجح هذا الفيديو القصير، إلى جانب فصلي في كتاب الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة، في التعبير عنها