يا الميدان

التحرير، الثورة، عمارة الأمل

ذكرتُ في تدوينتي السابقة عن فندق هيلتون النيل أنه أثناء خضوع الفندق لأعمال التجديد، أصبح مسرحًا لحدثٍ جللٍ جرى على مقربةٍ منه: ثورة ٢٠١١ المصرية، التي عُرفت لاحقًا باسم الربيع العربي. على مدار ثمانية عشر يومًا في يناير، تجمّع ملايين الأشخاص من مختلف شرائح المجتمع والتوجهات السياسية للمطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وفي نهاية المطاف، أُجبر الرئيس حسني مبارك على التنحي، منهيًا بذلك حكمه الذي دام ثلاثين عامًا

ميدان التحرير اثناء الثورة

شهدتُ هذه الأحداث من بعيد، إذ كنتُ أعمل في الإمارات العربية المتحدة آنذاك، ولكن كغيري من المصريين المغتربين، تابعتُها بترقب وشعور بأن لحظة فارقة في تاريخ مصر الطويل تتكشف أمام أعيننا، وإن كان ذلك عبر شاشة التلفاز ومكالمات هاتفية لا تُحصى مع الأهل والأصدقاء. وبصفتي مُخططًا حضريًا و معماريًا، كتبت باستفاضة عن فضاءات القاهرة الحضرية والأحداث التي شكلتها، بما فيها حريق القاهرة الكبير عام ١٩٥٢، الذي يُعدّ بحد ذاته لحظة تاريخية محورية، لم يسعني إلا أن أتأمل كيف أصبح الفضاء الحضري أداةً لتنظيم ثورة. فقد احتُل ميدان التحرير وحُوِّل إلى مُخيم مؤقت، مدينة مصغرة للناشطين. ووقف فندق هيلتون النيل، الذي أُعيد تسميته آنذاك إلى ريتز كارلتون، شاهدًا صامتًا على العنف والاحتفالات والغاز المسيل للدموع وحادثة الجمال الشهيرة، التي عُرفت لاحقًا بموقعة الجمل. وأصبحت مبانٍ لا تُحصى جزءًا من هذا المشهد المتسارع، من بينها المتحف المصري، ومبنى شركة طيران تي دبليو إيه السابق، وحرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة، على سبيل المثال لا الحصر

في هذه التدوينة، التي تأتي مرافقةً لتدوينتي عن القاهرة، أحاول أن أربط هذه الأحداث بالتاريخ الأوسع لوسط القاهرة، وأن أتأمل كيف أصبح هذا الفضاء رمزًا لانفتاح المدينة على عموم المصريين، ومعبّرًا في الوقت نفسه عن مشروع للتحديث والقطيعة مع ماضٍ محافظ وقامع. لكنني أود ان ابدأ بأغنية أراها المدخل الأمثل لهذا التأمل في القاهرة، إنها أغنية شجية و مفعمة بالأ، لفريق كايروكي بمشاركة عايدة الايوبي، تجسد ر الثورة بكل ما حملته من أمل وألم، وتفتتح بكلمات قوية تقول

معاك غنينا و معاك شقينا
و حاربنا خوفنا و دعينا
ايد واحدة نهار و ليل
مفيش معاك شئ مستحيل
صوت الحرية بيجمعنا
خلاص حياتنا بقي ليها معني
مفيش رجوع صوتنا مسموع
الحلم خلاص بقي مش ممنوع
يا يا الميدان كنت فين من زمان


هنا يكاد الميدان يُستدعى بوصفه شخصًا اختار أخيرًا أن يقف إلى جانب الناس في مواجهة الظلم. ثم يتواصل صوت عايدة الأيوبي، الجميل والشجي، في أجواء يلفها حزن هادئ، مرددًا

هديت السور نورت النور
لميت حوليك شعب مكسور
اتولدنا من جديد و اتولد الحلم العنيد
بنختلف و النية صافية
اوقات الصورة مكنتش واضحة
حنصون بلادنا و ولاد ولادنا
حق اللي راحوا من شبابنا
يا يا الميدان كنت فين من زمان


ثم تستمر الأغنية مقطعًا مؤثرًا تلو الآخر ومن المؤلم حقًا مشاهدتها والاستماع إليها ليس فقط لما تحمله من شجن بل لأنها تبدو في نهاية المطاف إدانة موجعة لما آلت إليه الأمور لاحقًا حين تراجع الأمل وحل محله اليأس وتحولت الرؤية الجميلة إلى خيبة عميقة،  غير أن قوة الأغنية لا تكمن في كلماتها وحدها بل أيضًا في الصور التي ترافقها، إذ يعرض الفيديو مقتنيات حملها المتظاهرون معهم إلى الميدان مشاعل وزجاجات من السوائل للتخفيف من آثار الغاز المسيل للدموع ورسائل وداع لأحبائهم وقطعًا ممزقة من الملابس كُتبت عليها الأسماء والبيانات الشخصية تحسبًا لمقتل أصحابها أثناء العنف إلى جانب هواتف محمولة ونظارات مكسورة ومنشورات تحمل شعارات الثورة، ثم تظهر عناوين الصحف معلنة "الشعب أسقط النظام"، ويختتم الفيديو بمشهد جوي حقيقي لميدان التحرير ليلًا قبل لحظات من الإعلان عن تنحي حسني مبارك،  آلاف الأشخاص يقفون متلاصقين تحت أضواء الشوارع يملأون الميدان فيما يرتفع فندق هيلتون النيل في الخلفية صامتًا يراقب المشهد وكأنه هو الآخر يفيض بالأمل

وهكذا أصبح ميدان التحرير رمزًا لمصر جديدة ولمجتمع كان يأمل أن يخرج أخيرًا من عقود من الحكم العسكري وأن يحكمه افراد يُنتخبون بحرية

و من نواحي عديدة بدت نشأة الميدان نفسها وكأنها تمهد لمثل هذه اللحظة، فبعد ثورة الضباط الأحرار عام ١٩٥٢ بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر شهدت مصر مشروعًا طموحًا للتحديث العمراني رافق التحول الاجتماعي الأوسع الذي عرفته البلاد وأعيد بناء وسط القاهرة على نطاق واسع وانتقل مركز ثقل المدينة نحو النيل وإلى ميدان التحرير بصورته الجديدة

كان الموقع نفسه يحمل دلالات رمزية عميقة فقد كان ميدان الإسماعيلية كما عُرف في الأصل يضم قصر النيل الذي شيده الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر والذي احتضن عددًا من المؤسسات الحكومية من بينها خزانة الدولة وقيادة الجيش؛ وبعد الاحتلال البريطاني عام ١٨٨٢ تحول القصر إلى ثكنات قصر النيل لذلك لم يكن مستغربًا أن يختار الضباط الأحرار بعد عام ١٩٥٢ إزالة هذا الرمز القوي للهيمنة الاستعمارية واستبداله بمجموعة من المباني الحديثة شملت مقر جامعة الدول العربية وفندق هيلتون النيل ومقر الاتحاد الاشتراكي العربي بزعامة عبد الناصر، غير أن فكرة إعادة تشكيل الواجهة النيلية سبقت الثورة نفسها إذ اقترحت مسابقة تخطيطية أُقيمت في أربعينيات القرن الماضي إقامة مبنى البرلمان المصري في الموقع الذي شُيد عليه لاحقًا فندق هيلتون النيل وتحويل المنطقة بأكملها إلى مركز حكومي لكن أياً من هذه المقترحات لم يرَ النور، ويشير مؤرخ القاهرة ماكس رودنبك إلى أن المدينة اكتسبت مظهرًا جديدًا أكثر جدية بينما يرى الصحفي المصري سمير رأفت أن هناك محاولة واضحة ومستمرة لمحو الماضي، إذ يذكر أن القيادة المصرية الجديدة أعادت تسمية خمس عشرة ساحة وشارعًا في القاهرة وكان أبرزها ميدان الإسماعيلية الذي أصبح ميدان التحرير

كانت أولى لقاءاتي بميدان التحرير عام ١٩٧٢ حين اصطحبني خالي أسامة برفقة والدتي وشقيقي إلى وسط القاهرة، وكان الميدان الذي لا يتخذ شكل دائرة كما يوحي اسمه بل أقرب إلى الشكل شبه المنحرف محاطًا بممر مرتفع للمشاة ويؤدي في الوقت نفسه وظيفة دوار مروري هائل، وتحت الجسر العلوي انتشر الباعة الجائلون وازدحمت الجموع فيما كانت رائحة خانقة تزيدها حرارة القاهرة ورطوبة الصيف حدة، لقد تحولت رؤية حداثية جميلة إلى مشهد من الازدحام والتدهور، ومع مرور السنوات تغير الميدان إلى حد ما فأزيل الممر المرتفع وأُنشئت محطة مترو الأنفاق لكن الميدان بقي في نهاية المطاف مجرد دوار مروري ضخم، وكان عبوره سيرًا على الأقدام يتطلب قدرًا كبيرًا من الجرأة وأعصابًا من فولاذ

ثم جاءت أحداث ٢٠١١ 

سقط النظام القديم وأعلن الجيش المصري وقوفه إلى جانب الشعب، وأُجريت انتخابات أوصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، وانتُخب أول رئيس للجمهورية عبر انتخابات حرة، أما ما جرى بعد ذلك فأصبح معروفًا ووُثِّق بإسهاب حتى يكاد لا يحتاج إلى إعادة رواية، فقد عبرت  أعداد كبيرة من المصريين رفضها للحكومة المنتخبة وانتشرت المظاهرات في أنحاء البلاد، وأصبح ميدان آخر هو ميدان رابعة العدوية في إحدى ضواحي القاهرة مركزًا لتجمع أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وفي الرابع عشر من أغسطس عام ٢٠١٣ استخدم الجيش المصري القوة المميتة لفض الاعتصام مما أدى إلى مقتل أكثر من ألفي متظاهر في أكثر الأيام دموية في تاريخ مصر الحديث، ثم عادت البلاد إلى الحكم العسكري، وتتباين التقديرات وتختلف الآراء ولا يزال الجدل قائمًا حول ما إذا كانت تلك الأحداث ضرورية أم لا، لكنني لا أكتب للدفاع عن طرف أو إدانة آخر فما يعنيني هنا هو البعد العمراني والمعماري لما جرى 

انطفأت الثورة و لكن للحظة وجيزة استعاد الناس مدينتهم ومارسوا ما وصفه هنري لوفيفر بحقهم في المدينة، أصبح ميدان التحرير ملكًا لهم وشعروا و ربما للمرة الأولى بأن لهم نصيبًا حقيقيًا في الفضاء العمراني وأن التغيير بات ممكنًا ليس في القاهرة وحدها بل في مدن مصر كلها، لكن ذلك الأمل سرعان ما تبدد

واليوم يشهد وسط القاهرة تحولًا جديدًا، فمجمع التحرير يجري تحويله إلى فندق فاخر، وأُعيد تصميم ميدان التحرير ليصبح ساحة احتفالية تبدو عناصرها المعمارية وكأنها صُممت عمدًا للحيلولة دون أي تجمع جماهيري واسع في المستقبل، أما فندق هيلتون النيل فقد أصبح فندق ريتز كارلتون وهو اليوم مكان فاخر بامتياز و يخدم الأثرياء، في حين هُدم مبنى الاتحاد الاشتراكي العربي السابق وسيقام مكانه برج شاهق بتمويل من أحد المستثمرين الخليجيين

وأنا أتأمل كل ذلك أجد نفسي أتساءل: هل يمكن استعادة تلك الرؤية المفعمة بالأمل يومًا ما؟ وهل يمكن أن تشتعل شعلة الثورة من جديد؟ وهل يمكن للأمل أن يعود؟

ولا يسعني إلا أن أعتقد أن ذلك ممكن
كان لهيب الثورة متقدًا يومًا
وستشتعل من جديد في يوم من الأيا

يا الميدان

ملاحظة: هناك أغنية أخرى شجية تنبض بإيقاع الروك أند رول، وهي إزاي لمحمد منير. وقد تبدو في ظاهرها أغنية حب، لكنها يمكن أيضًا أن تُقرأ بوصفها رسالة يوجهها مواطن مصري إلى وطنه، يعبر فيها عن حبه العميق له ويتوسل إليه أن يتقبله. ويكتسب هذا المعنى بعدًا إضافيًا لأن الفيديو المصاحب للأغنية يعتمد بالكامل على مشاهد من ميدان التحرير خلال أيام الثورة.

عماله تزيدي في حيرتي ومنتيش حاسة بطيبتي , إزاي؟!
أنا أقدم شارع فيكي ... وآمالك من الي باليك
أنا طفل اتعلق بيكي , في نص السكة وتوهتيه
إزاي ترضيلي حبيبتي ... أتمعشق اسمك وانتي

ملاحظة: عرفت عايدة الأيوبي، المغنية التي تظهر في هذا الفيديو، لأننا كنا ندرس معًا في المدرسة الألمانية بالقاهرة، كما كنا نسكن في الحي نفسه في المعادي. وكنا نستقل حافلة المدرسة نفسها كل صباح، رغم أنها كانت تصغرني بخمس أو ست سنوات دراسية تقريبًا. وبعد انتقالي إلى الولايات المتحدة، علمت أنها أصبحت مغنية معروفة، أغانيها عن الحب، ولكن أيضًا عن الوطن والبحث عن الهوية، وهي موضوعات ربما عكست خلفيتها الشخصية، إذ كانت والدتها ألمانية ووالدها مصريًا. وفي مطلع الألفية، وكما فعل كثيرون من بنات جيلها، ارتدت الحجاب، كما نراها في هذا الفيديو. ولا يزال صوتها الشجي يحمل إلى اليوم ذاكرة الثورة ويمنحها حياة جديدة

للاطلاع علي المزيد يرجي مراجعة فصل القاهرة في كتابي "الحداثات العربية" بالاضافة الي كتابي القادم "قاهرتي

Previous
Previous

أصوات القاهرة

Next
Next

إعادة اكتشاف الرياض