لقاءات: القاهرة، الصداقة، والأماكن التي تصبح بيتاً
مع أصدقاء طفولتي من المدرسة الألمانية، ناصر (يسار) وحسين (وسط) في مقهى سيلانترو في المعادي
هناك أغنية لماجدة الرومي، مع جريدة؛ كتب كلماتها نزار قباني، رافقتني لسنوات طويلة. امرأة تجلس في مقهى قبالة رجل. يخرج من معطفه جريدة وعلبة ثقاب، يطلب فنجان قهوة، يذيب قطعتين من السكر في الفنجان، ومن دون أن يدري يبدّل العالم العاطفي للمرأة التي تراقبه. لا يحدث شيء فعلاً. لا اعتراف بالحب، ولا حدث درامي، ولا ذروة. مجرد لقاء عابر لا يستغرق سوى دقائق قليلة. لكن داخل تلك الدقائق القصيرة تنفتح عوالم كاملة: الشوق، والخيال، والرغبة، والذاكرة، والاحتمال، والحزن. وفي النهاية ينهض الرجل ويختفي وسط الزحام، بينما تبقى المرأة وحدها، مع الجريدة التي تركها خلفه والمشاعر التي أيقظها من دون أن يعلم
وبعد لحظتين
ودون أن يراني
ويعرف الشوق الذي اعتراني
تناول المعطف من أمامي وغاب
غاب في الزحام
مخلفاً وراءه الجريدة وحيدة
وحيدة مثلي أنا
ما كان يدهشني دائماً في هذه الأغنية ليس فقط حنينها الرومانسي، بل الطريقة التي عبرت بها عن المدينة. فالمدن لا تكتسب معناها الحقيقي عبر الأبراج أو المعالم العمرانية، بل من خلال اللقاءات العابرة التي تتجاوز أهميتها الزمن القصير الذي تستغرقه. نظرة عبر زجاج مقهى. حديث يمتد حتى آخر الليل. ألفة وجه يجلس قبالتك على طاولة صغيرة. لحظة معلقة خارج الزمن. مثل هذه اللحظات تبقى عالقة في داخلنا حتى بعد أن تتغير المدن وتتلاشى الأماكن
تذكرت هذه الأغنية في احدي امسيات يتاير الماضي بينما كنت أجلس مع صديقين قديمين في مقهى «سيلانترو» بشارع ٩ في المعادي
لطالما احتل شارع ٩ مكانة خاصة في خريطتي الذهنية للقاهرة. إنه الشريان التجاري الرئيسي للمعادي، لكنه في المساء يتحول إلى فضاء للمتعة والبطء والتسكع. المقاهي تتمدد فوق الأرصفة، والعشاق يمشون بلا هدف تحت الأضواء، والطلاب يتنقلون بحواسيبهم المحمولة من مقهى إلى آخر، والباعة يقفون عند الزوايا، والسيارات تدور ببطء حول الميدان أعلى الشارع بينما تتطاير شذرات الأحاديث في الهواء الليلي
أما «سيلانترو» نفسه فلم يكن مكاناً استثنائياً. مجرد مقهى حديث من سلسلة مقاهٍ منتشرة في القاهرة. لا خدمة طاولات فيه؛ عليك أن تقف عند الكاشير لتطلب القهوة وقطعة الحلوى. في الداخل جلس الطلاب بصمت أمام شاشات حواسيبهم المضيئة. أما نحن فاخترنا الجلوس في الخارج مطلين على الميدان حيث امتزجت أضواء السيارات العابرة بالإضاءة الصفراء الناعمة المنبعثة من المقاهي والمحال المحيطة
وصلت أولاً. ثم ظهر ناصر. وبعده بقليل انضم إلينا حسين
كنا قد التقينا للمرة الأولى ونحن أطفال في المدرسة الألمانية بالقاهرة. من ١٩٧٣ حتى ١٩٨١ تقاسمنا الفصول الدراسية نفسها، والنكات نفسها، والمخاوف نفسها، وتلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع المراهقة. مرت السنوات. تفرقت بنا الحياة. تدخلت البلدان والمسافات. تشكلت الوظائف والعائلات. واختفى الآباء و الامهات. ومع ذلك وجدنا أنفسنا هناك مرة أخرى، جالسين معاً كما لو أن الزمن أعادنا فجأة إلى طفولتنا
المدرسة الألمانية في القاهرة. الزمالك (يسار) 1973-1978؛ الدقي (يمين) 1978-1981
في لحظة ما طلب حسين من أحد العاملين في المقهى أن يلتقط لنا صورة. التُقطت الصورة من داخل المقهى عبر الواجهة الزجاجية بينما كنا نجلس خارجاً غارقين في الحديث. عدت إلى هذه الصورة مراراً منذ رجوعي إلى الولايات المتحدة. هناك شيء سينمائي فيها على نحو غريب. انعكاسات الزجاج. الأضواء الخافتة. الضبابية البسيطة في الخلفية. نحن الثلاثة منحنون نحو بعضنا في تركيز عميق نتحدث عن موضوع تلو الآخر
تمتلك الصورة ما كان رولان بارت يسميه «البنكتوم»؛ ذلك التفصيل الذي يجرحك فجأة ويأسرك ولا يتركك. وأنا أنظر إليها أدركت أننا، ولو للحظة قصيرة، عدنا أطفالاً من جديد. بالطبع كنا قد تقدمنا في العمر. وجوهنا حملت آثار السنوات والتاريخ. لكننا في تلك اللحظة لم نعد رجالاً يواجهون قلق الحاضر، بل زملاء دراسة يتبادلون الحكايات بعد انتهاء اليوم المدرسي
وربما هذا ما تكونه المقاهي حقاً
في كتاباتي كلها - و خاصة في كتابي القادم "قاهرتي: خرائط الانتماء" اعود باستمرار الي فكرة "المكان الثالث" و هو المفهوم الذي طوره عالم الاجتماع راي اولدنبرغ لوصف الأماكن الواقعة بين البيت والعمل: المقاهي، والشوارع، والأندية، والمكتبات، ومحال الشاي، والحدائق. أماكن يتشكل فيها الانتماء بصورة غير رسمية عبر اللقاءات المتكررة والطقوس اليومية المشتركة
في القاهرة تحمل هذه الأمكنة أهمية استثنائية. تتحول إلى امتداد للحياة المنزلية. ملاجئ مؤقتة من الوحدة. مسارح للذاكرة والحديث. لحظات من الصحبة وسط الحجم الهائل والاضطراب الذي يميز المدينة
ولم تكن هذه أولى ذكرياتي مع ذلك المقهى تحديداً. فقد التقيت ناصر هناك قبل سنوات بعد وفاة والدي في ٢٠٠٦. وخلال زياراتي للقاهرة كنت كثيراً ما أعمل فيه أثناء إجراء أبحاثي، أستريح بين المقابلات والمشاهدات وجولاتي الطويلة في المدينة. وكحال كثير من مقاهي القاهرة، تراكمت فوقه طبقات من التاريخ الشخصي
أما هنا في الولايات المتحدة فأنا أقضي ساعات طويلة في المقاهي أيضاً. ألتقي طلاب دكتوراه وزملاء وأساتذة. أحياناً أقدم النصيحة لطلاب يصارعون أطروحاتهم أو حياتهم. وأحياناً أجلس وحدي لساعات أعمل بصمت. لكن رغم الراحة التي توفرها هذه الأماكن، فإنها نادراً ما تمنحني الإحساس نفسه. يبقى هناك دائماً شعور خفي بالاغتراب، كأنني — كما تقول العبارة — غريب في أرض غريبة
ربما لأن البيت ليس مجرد مكان مادي ملموس
هذا الإدراك أعاد إلى ذهني أعمالاً أخرى تمحورت حول الأحاديث واللقاءات العابرة. فيلم «عشائي مع أندريه» يصور بأكمله تقريباً رجلين يتحاوران أثناء العشاء في مطعم بنيويورك، لكن من خلال الحديث يتكشف عالم كامل. وفي فيلم «منتصف الليل في باريس» لوودي آلن تتحول المقاهي إلى بوابات زمنية يلتقي فيها البطل بالكتاب والفنانين والأزمنة الضائعة، فتغدو المدينة مكاناً للسحر والدهشة. وربما استلهم ذلك من الرواية اليابانية «قبل أن تبرد القهوة» التي تدور حول احتمال أن يستطيع مقهى ما تعليق الزمن للحظات
أما النقيض الكامل لذلك فيظهر في لوحة «صقور الليل» لإدوارد هوبر. فالمقهى هناك مضاء أيضاً ليلاً، لكن الأشخاص داخله يبدون معزولين رغم قربهم من بعضهم البعض. تتحول الحداثة الحضرية إلى عزلة بدلاً من التواصل
صقور الليل. إدوارد هوبر. 1942
كانت طاولتنا في «سيلانترو» نقيض عالم هوبر تماماً
ما التقطته الصورة لم يكن مجرد صداقة، بل استمرارية في زمن التشظي. لحظة عابرة من التواصل الإنساني وسط عالم مضطرب وغير يقيني. لحظة تمنيت لو أنها تدوم إلى الأبد. لكن المساء انتهى في النهاية. وقفنا، وتعانقنا، وافترق كل منا عائداً إلى حياته
ومع ذلك بقي شيء ما
أدركت لاحقاً أن ما شعرت به لم يكن حنيناً بالمعنى التقليدي، بل اعترافاً. اعترافاً بأن البيت لا يكمن بالضرورة في المكان أو الملكية أو الجغرافيا. البيت يتشكل من العلاقات واللقاءات. من تلك اللحظات النادرة التي يبطؤ فيها الزمن بما يكفي لكي نشعر أننا مرئيون حقاً
ولهذا أعود دائماً إلى القاهرة في كتاباتي. ليس لأنني أبحث عن مدينة ثابتة لم تتغير — فالقاهرة تتغير باستمرار، وأحياناً بصورة مؤلمة —بل لأن شوارعها ما تزال تحتوي على تلك النقاط الهشة من الاستمرارية العاطفية
وفي نهاية الأمسية خطرت لي أغنية أخرى "البيت هو انا و انت" ل هريشكيش هيرفاي:
البيت هو أنا وأنت
الأماكن تتغير وتتلاشى
لكن شيئاً واحداً يبقى حقيقياً
البيت هو أنا وأنت
بقيت هذه الكلمات ترافقني طويلاً بعد مغادرتي القاهرة
لأنه في ذلك المقهى العادي في المعادي، تراجع الضجيج تدريجياً إلى الخلفية، وخفتت ألوان المدينة، واختفى الحشد المحيط بنا، ولم يبق سوى ثلاثة أصدقاء قدامى يتحدثون عن حياتهم كما لو أن الزمن لم يمر أبداً
في تلك اللحظة العابرة عدت الي بيتي
القاهرة — المدينة التي غادرتها منذ زمن طويل — ما تزال تعيش بهدوء داخلي، محفوظة إلى الأبد في تلك الصورة المثالية بالأبيض والأسود خلف زجاج المقهى
قال أحدهم ذات مرة إن الوطن "ليس المكان الذي تريد أن تعيش فيه، بل المكان الذي تريد أن تموت فيه". هذا غير صحيح
البيت ببساطة هو أنا وأنت