التحوّل إلى دجاجة

فيلم «ريش» ووهم الاختفاء من مدينة عبثية

من فيلم "ريش". الدجاجة و الزوجة

نقد سينمائي

كل فترة يظهر فيلم يغيّر بشكل جذري الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. والأندر من ذلك أن يأتي فيلم يغيّر الطريقة التي نفهم بها مدينة بأكملها. شاهدت مؤخرًا واحدًا من هذه الأفلام. يُعد فيلم "ريش" للمخرج عمر الزهيري، الصادر عام ٢٠٢١، من أكثر الأفلام المصرية إزعاجًا وإثارةً للتفكير التي شاهدتها خلال السنوات الأخيرة. وقد أثار الفيلم عند عرضه جدلًا واسعًا؛ إذ اتهمه بعض المشاهدين بتقديم صورة قاتمة ومبالغ فيها عن مصر، في حين أشاد آخرون برؤيته الفنية الجريئة وغير المساومة. وبعد أن شاهدته أخيرًا، وجدت نفسي أقل اهتمامًا بالجدل الذي أحاط به، وأكثر اهتمامًا بما يكشفه عن المدن، والتفاوت الاجتماعي، والتبعات المعيشية لعمليات التحديث

ملصقات الفيلم

وعلى الرغم من أن أحداث الفيلم تجري بعيدًا عن القاهرة ولا تشير إليها بشكل مباشر، فقد وجدت فيه صدىً عميقًا للعديد من القضايا التي تناولتها في فصل «تحديث القاهرة: التحولات العمرانية والمسيرة الحثيثة نحو الصحراء» من كتابيالحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة. فربما أكثر من أي مخطط عمراني أو وثيقة تخطيطية أو تصور معماري، ينجح فيلم ريش في التقاط الواقع الاجتماعي الكامن خلف الصور اللامعة للتنمية والتحديث التي باتت تهيمن على تمثيلات مصر المعاصرة. تبدو قصة الفيلم بسيطة للوهلة الأولى. ففي أثناء حفل عيد ميلاد يُقام داخل شقة متواضعة ومكتظة، يتسبب ساحر عن طريق الخطأ في تحويل رب الأسرة المتسلط إلى دجاجة. وكان من الممكن بسهولة أن يتحول هذا الحدث إلى مادة لكوميديا خفيفة أو حكاية عبثية طريفة، لكن عمر الزهيري يأخذ القصة في اتجاه مختلف تمامًا. فالأب يبقى دجاجة، بينما تجد الأم، التي لم تكن حتى تلك اللحظة سوى شخصية هامشية وغير مرئية داخل منزلها، نفسها مضطرة لتحمل مسؤولية الأسرة ومواجهة عالم قاسٍ لا يرحم نيابة عن أطفالها. وبينما تسعى بكل الوسائل الممكنة لإعادة زوجها إلى حالته الطبيعية، متنقلة بين الأطباء والأطباء البيطريين والسحرة ورجال الدين، تبدأ تدريجيًا في مواجهة مجتمع تحكمه اللامبالاة والاستغلال والتفاوت في السلطة والمكانة. وسرعان ما تتراجع غرابة الفكرة الأساسية إلى الخلفية، ليبقى في الواجهة تأمل عميق ومؤلم في الفقر والهيمنة الذكورية ومعنى البقاء في عالم لا يكف عن إنتاج أشكال جديدة من التهميش

ما أثار اهتمامي في ريش لم يكن السرد بحد ذاته، بل العالم الذي يخلقه الفيلم ويغمرنا فيه. فالشقة التي تعيش فيها الأسرة تكاد تكون إحدى الشخصيات الرئيسية في العمل. مساحة ضيقة وقاسية، جدرانها عارية تقريبًا من أي دفء أو زينة، وأثاثها شحيح، وكل زاوية فيها توحي بالتعب والإهمال وتراكم سنوات من الحرمان. وفي هذه الشقة نفسها يقام حفل عيد الميلاد الذي تنطلق منه أحداث الفيلم، حيث يجتمع أفراد الأسرة والجيران في محاولة عابرة للاحتفال وسط واقع لا يترك مجالًا كبيرًا للفرح. وهناك أيضًا، وسط هذا الفضاء المتواضع والمكتظ، تحدث اللحظة العبثية التي يتحول فيها الأب إلى دجاجة. لكن ما يلفت النظر أن الشقة لا تبدو استثنائية أو استثنائية في بؤسها؛ بل على العكس، تبدو مألوفة ومؤلمة في واقعها. أثناء هذه المشاهد، تذكرت فكرة أعود إليها مرارًا في فصل القاهرة من كتاب الحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة: فخلف صور المجمعات السكنية الفاخرة والمدن المسوّرة والمشروعات العمرانية المبهرة، توجد مصر أخرى يسكنها معظم السكان. إنها مصر الأحياء غير الرسمية، والشقق المكتظة، وسبل العيش الهشة، والنضال اليومي من أجل البقاء؛ مصر التي نادرًا ما تظهر في الخطابات الرسمية عن التقدم والتحديث، لكنها تشكل الواقع الحقيقي الذي يعيش فيه ملايين المصريين كل يوم

لقطات من الفيلم: الشقة، وحفلة عيد الميلاد، والخدعة السحرية

ويتعزز هذا الانطباع من خلال المشهد الصناعي الذي يهيمن على جزء كبير من الفيلم. فهناك مصنع ضخم يلوح باستمرار في الخلفية، لا بوصفه مجرد عنصر بصري، بل كحضور دائم يحدد إيقاع الحياة اليومية ومساراتها. الغبار والدخان والخرسانة والآلات تشكل الملامح الأساسية لهذا العالم، مانحةً المكان إحساسًا بالكآبة والقسوة، لكنه في الوقت نفسه يبدو مألوفًا على نحو غريب. فهو لا يستحضر فقط المدن الصناعية المصرية، بل يذكّر أيضًا بأجزاء واسعة من القاهرة نفسها، وبخاصة تلك المناطق غير الرسمية التي تمتد بلا نهاية بعيدًا عن الصور المصقولة التي يروّج لها المسؤولون وشركات التطوير العقاري. ففي كتاب الحداثة (أو الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة وصفت القاهرة بأنها «مدينة القصور والأحياء العشوائية»، مدينة تتجاور فيها الثروة الفاحشة مع الحرمان العميق. وقليل من الأفلام نجح في تجسيد هذه الازدواجية بقدر ما فعل ريش. فالشقة المتواضعة والمصنع المهيب ليسا مجرد خلفية للأحداث، بل يشكلان معًا بيانًا بصريًا عن طبيعة مصر المعاصرة، وعن ملايين البشر الذين يعيشون على هامش السرديات الرسمية للتنمية والتقدم، رغم أنهم يشكلون في الواقع جوهر المجتمع وعموده الفقري 

ومن أكثر المشاهد رسوخًا في الذاكرة ذلك المتعلق بوزارة الإسكان، المؤسسة الغامضة التي تضطر الأم إلى زيارتها مرارًا وتكرارًا لدفع الإيجار. لكن الوزارة، أو ما يفترض أنها وزارة، لا تظهر أبدًا بصورتها الكاملة. فلا توجد مكاتب واضحة، ولا موظفون يمكن رؤيتهم، ولا حتى أي محاولة لشرح طبيعة المكان أو آلية عمله. كل ما يراه المشاهد هو فتحة صغيرة خلف حاجز حديدي، تمتد منها يد مجهولة لتلتقط المال ثم تختفي مجددًا في الظلام. يتكرر المشهد مرات عدة، وفي كل مرة يزداد إحساسنا بأننا أمام مؤسسة لا وجه لها ولا ملامح، سلطة حاضرة بقوة لكنها عصية على الفهم والوصول. المشهد بأكمله يحمل طابعًا كافكاويًا بامتياز، حيث تتحول الدولة إلى كيان مجرد وغامض يطالب بالطاعة والامتثال دون أن يفسر نفسه أو يكشف عن آلياته. وبينما كنت أتابع هذه المشاهد، وجدت نفسي أفكر في تجارب لا حصر لها مع البيروقراطية في مصر وفي أماكن أخرى من العالم العربي، حيث تبدو الإجراءات في كثير من الأحيان منفصلة عن المنطق، وحيث يجد الأفراد أنفسهم مجبرين على التعامل مع أنظمة لا يفهمونها ولا يملكون أي قدرة على التأثير فيها. والنتيجة لا تقتصر على الإحباط أو إهدار الوقت، بل تمتد إلى شعور أعمق بالاغتراب، إحساس بأن الإنسان بات مجرد رقم أو معاملة في منظومة ضخمة لا تعرفه ولا تكترث لوجوده

ولا يقل دلالة عن ذلك الجزء من الفيلم الذي تجد فيه الأم عملًا داخل فيلا فاخرة. هنا ينقلنا ريش للحظات إلى مصر أخرى تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم مختلف تمامًا. الأرضيات الرخامية اللامعة، والتماثيل التي تزين القاعات الفسيحة، وأحواض السباحة المحاطة بحدائق مهذبة بعناية، كلها ترسم صورة للثراء والرفاهية تكاد تبدو صادمة عند مقارنتها بالعالم الذي جاءت منه البطلة. ومع ذلك، ورغم كل هذا البذخ، تظل الأم شخصية غير مرئية. فهي موجودة فقط لتنظيف الأرضيات وتلميع الأسطح والعناية بمظاهر الرفاهية التي لا يمكنها أن تكون جزءًا منها. تراقب بصمت نمط حياة يبدو بعيد المنال بالكامل، وكأنها تنظر إلى عالم آخر من خلف زجاج لا يمكن اختراقه. وتبلغ قسوة المشهد ذروتها عندما تحاول إخفاء بعض بقايا الطعام لتأخذها إلى أطفالها، فتُطرد فورًا من العمل، بل ويُطلق خلفها كلب لملاحقتها وهي تغادر المكان. تكمن قوة هذا المشهد في أنه يكشف مدى القرب المكاني بين الثروة والفقر، ومدى البعد الاجتماعي بينهما في الوقت نفسه. فالفيلا والشقة التي تعيش فيها الأسرة تنتميان إلى البلد نفسه، بل ربما إلى المدينة نفسها، لكنهما تبدوان وكأنهما قائمتان على كوكبين مختلفين. وبين هذين العالمين، يرسم الفيلم واحدة من أكثر الصور إيلامًا عن التفاوت الاجتماعي في مصر المعاصرة، حيث تتجاور الوفرة والحرمان دون أن يلتقيا حقًا

صور من الفيلم: المصنع؛ وزارة الإسكان؛ الفيلا


وتقودنا هذه المفارقة مباشرة إلى قلب النقاش حول القاهرة المعاصرة. فعلى مدى العقود الأخيرة، جرى تخيّل مستقبل مصر العمراني خارج المدينة القائمة، في الصحراء المحيطة بها. من القاهرة الجديدة والشيخ زايد ومدينتي إلى العاصمة الإدارية ، تتكرر الوعود نفسها: مدينة أكثر حداثة وكفاءة وازدهارًا، تتحرر من ازدحام القاهرة ومشكلاتها المزمنة. وتعرض المواد الترويجية لهذه المشروعات أبراجًا زجاجية لامعة، وشوارع واسعة تحفها المساحات الخضراء، ووسائل نقل متطورة، ومونوريل ينزلق بسلاسة عبر مشاهد مستقبلية تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم آخر. لكن بينما تستحوذ هذه الصور على الخطاب العام وتتصدر عناوين الأخبار، يواصل معظم المصريين العيش في واقع مختلف تمامًا. فالقاهرة التي يعرفها الملايين ليست مدينة الأبراج الذكية والواجهات اللامعة، بل مدينة الأحياء الشعبية والعشوائيات والمباني المكتظة والبنية التحتية المتهالكة والرحلات اليومية الشاقة بحثًا عن الرزق. إنها القاهرة التي لا تظهر كثيرًا في الحملات الدعائية، لكنها تمثل الواقع الذي يختبره أغلب سكان المدينة كل يوم. ولعل ما يجعل ريش فيلمًا مهمًا هو أنه يوجه الكاميرا تحديدًا نحو هذه القاهرة غير المرئية، أو بالأحرى نحو مصر غير المرئية، كاشفًا الفجوة المتزايدة بين المدينة التي يُروَّج لها والمدينة التي تُعاش بالفعل

وفي الواقع، تتمثل إحدى الحجج الأساسية التي أطرحها في فصل القاهرة في أن التحديث العمراني في مصر تحوّل تدريجيًا إلى مشروع للهروب المكاني. فبدلًا من مواجهة التحديات المتراكمة داخل المدينة القائمة والعمل على تحسين ظروفها ومعالجة اختلالاتها، اتجه المخططون وصنّاع القرار مرارًا إلى البحث عن الحلول خارجها، عبر إنشاء عوالم عمرانية جديدة في الصحراء على أمل أن تختفي مشكلات المدينة القديمة أو تصبح أقل إلحاحًا. لكن المدن لا تختفي بهذه السهولة، كما أن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية المتجذرة فيها لا يمكن تجاوزها بمجرد الانتقال إلى موقع جديد. والنتيجة هي مشهد عمراني يزداد انقسامًا وتفتتًا، حيث تُوجَّه الموارد والاستثمارات إلى مشاريع ضخمة واستعراضية تستحوذ على الاهتمام الإعلامي والسياسي، بينما تواصل الأحياء القائمة مواجهة مشكلات الاكتظاظ وتردي البنية التحتية والتلوث البيئي ومحدودية الفرص الاقتصادية. ومن هذا المنظور، لا يبدو فيلم ريش مجرد حكاية عن أسرة فقيرة تكافح من أجل البقاء، بل يصبح تعليقًا ضمنيًا على نموذج كامل من التنمية يَعِد بالمستقبل لكنه كثيرًا ما يتجاهل الواقع الذي يعيشه ملايين الناس في الحاضر

(الششتاوي) بائعة متجولة أمام المركز الإداري. العاصمة الإدارية

(الششتاوي) إلى اليسار: وكالة البلح (سوق السلع المستعملة)؛ إلى اليمين: مشروع ماسبيرو

ما يجعل ريش فيلمًا بهذه القوة هو أنه يجبرنا على مواجهة هذا الواقع بصورة مباشرة. صحيح أن المشاهد التي يصورها لا تدور في القاهرة، لكن من الناحية الاجتماعية والعاطفية تبدو مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا. فهو يكشف عن مصر لا يعرفها كثير من أبناء الطبقات الميسورة، وغالبًا ما تغيب عن الصور الرسمية التي تسعى إلى تقديم البلاد باعتبارها قصة نجاح عمراني متواصلة. ولا يقدم الفيلم حلولًا سهلة أو نهايات مطمئنة، بل يرسم عالمًا يحكمه العبث، حيث يصبح التكيف مع الظروف القاسية هو الوسيلة الوحيدة للاستمرار. وربما لهذا السبب تنجح فكرته المركزية إلى هذا الحد. ففي يد مخرج أقل موهبة، كان تحول الأب إلى دجاجة سيبقى مجرد حيلة كوميدية أو استعارة ساخرة. أما هنا، فإن الحدث العبثي يتحول إلى وسيلة لكشف عبث أكبر وأعمق؛ عبث واقع اجتماعي تبدو فيه اللامعقولية جزءًا من الحياة اليومية 

وبحلول نهاية الفيلم تكون الأم قد خضعت لتحول جذري. لم تعد تلك الشخصية الصامتة وغير المرئية التي عرفناها في البداية، بل أصبحت امرأة قادرة على مواجهة عالم عدائي والتعامل مع شروطه القاسية. ومع ذلك، فإن هذا التحول يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من المأساة. فالبقاء ليس مرادفًا للعدالة، والتكيف ليس بالضرورة شكلًا من أشكال التحرر. فالأعباء التي تحملها لا تزال قائمة، والبنى الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت معاناتها لم تتغير. لقد تعلمت كيف تستمر، لكنها لم تحصل على عالم أكثر إنصافًا

ولعل أقوى دليل على أهمية الفيلم لا يكمن في أحداثه بقدر ما يكمن في ردود الفعل التي أثارها. فبعد نجاحه في مهرجان كان وعدد من المهرجانات الدولية الأخرى، تعرض ريش لحملة انتقادات واسعة داخل مصر. فقد انسحب بعض الممثلين من عروضه، وهاجمه نواب في البرلمان، واتهمه منتقدون بتشويه صورة البلاد من خلال التركيز على الفقر والبؤس والتهميش. وكان جوهر الاعتراض لافتًا للنظر؛ إذ رأى كثيرون أن الفيلم يعرض واقعًا لم يعد موجودًا، وأن مصر الجديدة تجاوزت هذه الظروف من خلال القضاء على العشوائيات وبناء المدن الحديثة وتوفير مساكن أكثر ملاءمة للمواطنين. وبعبارة أخرى، لم يكن الفيلم مزعجًا لأنه غير دقيق، بل لأنه اصطدم مباشرة بالسردية الرسمية التي تجعل من التحديث والتنمية عنوانًا رئيسيًا للمرحلة الراهنة

لكن قوة ريش تنبع تحديدًا من رفضه المشاركة في هذا الإنكار. ففي الوقت الذي تحتفي فيه الصور الرسمية بالمونوريل والمدن الجديدة والعاصمة الإدارية ، يوجه الفيلم الكاميرا نحو أولئك الذين لا مكان لهم في هذه الرؤى المستقبلية. نحو من بقوا خارج الصور الدعائية وخارج الوعود الكبرى. ومن هنا، فإن الجدل الذي أثاره الفيلم لم يكن في جوهره حول دجاجة أو حتى حول عمل سينمائي. لقد كان جدلًا حول من يملك حق تمثيل مصر، وأي مصر يُسمح لها بأن تُرى. وربما لهذا السبب بالذات يُعد ريش واحدًا من أكثر الأفلام صدقًا في تصوير مصر المعاصرة، لأنه يصر على إظهار تلك الجوانب التي تفضّل سرديات التحديث الكبرى أن تبقيها بعيدة عن الأنظار

الفيديو العلوي: مشروع إسكان الأسمرات (نقل سكان الأحياء الفقيرة). الطريق الدائري بالقاهرة. الصورة السفلي: مساكن (الششتاوي) زينهم. سكن شعبي. وسط القاهرة

بعد مشاهدة الفيلم، وجدت نفسي أفكر مرة أخرى في القاهرة. مدينة لا تكف عن إعادة اكتشاف نفسها، ولا تتوقف عن مطاردة الرؤية التالية للحداثة. مدينة تتجاور فيها المجمعات السكنية المسوّرة مع الأحياء غير الرسمية، والأبراج الفاخرة مع العمارات المتداعية، والطموحات العمرانية الكبرى مع معارك الحياة اليومية الصغيرة. والأهم من ذلك كله، مدينة تتعمق فيها التناقضات باستمرار حتى في الوقت الذي تعد فيه المشاريع الجديدة بتجاوزها

وربما لهذا السبب يظل فيلم ريش عالقًا في الذهن طويلًا بعد ظهور أسماء المشاركين في نهايته. فهو يجبرنا على مواجهة حقائق كثيرًا ما تحجبها مشاهد التنمية المبهرة. ويذكّرنا بأن أي قدر من العظمة المعمارية أو الابتكار التكنولوجي أو التوسع العمراني لا يمكنه أن يمحو الواقع الذي تعيشه غالبية السكان. وربما يوحي أيضًا بأن الخيال الحقيقي بالنسبة لكثير من الناس ليس في أن يتحول رجل إلى دجاجة، بل في الاعتقاد بأن التحديث وحده قادر على حل أوجه التفاوت التي تُعرّف مصر المعاصرة. ففي عالم ريش، يأتي الهروب عبر التحوّل 

وفي القاهرة، يتساءل المرء أحيانًا عمّا إذا كان التحوّل إلى دجاجة و الانتقال الي "كمباوند" فاخر قد يكون الاستجابة الأكثر عقلانية لواقعٍ عمراني يزداد عبثيةً يومًا بعد يوم

Previous
Previous

وما تزال عمّان تنتظر ما سيأتي

Next
Next

مساجد بلا مآذن