حين تلتقي الصحراء بالبحر

بس يا بحر” والأصول الهشة للكويت الحديثة”

مراجعة فيلم: بس يا بحر. ١٩٧٢ 

أما البدو الذین رفضوا في الأیام الأولى الاقتراب من البحر أو المشاركة في إنزال الأشیاء من المراكب الصغیرة، فما لبثوا أن أخذوا باللعبة، بدت لهم طریفة مثیرة و فيها مقدار من المجازفة، ولذلك لم یترددوا طویلًا حتى اقتربوا من البحر. فعلوا ذلك على مراحل متعددة وبنوع من الاختبار الأقرب إلى السریة. كان الواحد منهم یقترب اقترابًا حذرًا بطیئًا. یمشي بموازاة الماء مدة طویلة، محافظًا على مسافة لا يغيرها، حتى اذا اطمأن بعض الشيء خطا بسرعة وبخفة قط راسمًا خطًا منكسرًا مقتربًا من الماء إلى أقصى حد ثم مبتعدًا مرة أخرى وبنفس السرعة. فعل الكثیرون ذلك مرات لا حصر لها. جلسوا على الشاطئ، تأملوا المیاه إمعان وغرقوا في التفكیر، وحین رأوا أهل حران، الصغار منهم والكبار، هم یخوضون في الماء، يركبونه بتلك السهولة كما لو أنهم یمشون على الأرض، عجبوا أشد العجب، حسدوهم لأنهم قادرون على ذلك، تمنوا في أعماقهم لو كانوا یستطیعون مثلهم، لكن الخوف لم يزايلهم أبدًا لأن الماء غدار یبلع ولا یشبع

عبد الرحمن منيف، مدن الملح 

شاطئ البحر. الكويت. (الششتاوي)

لفهم التحولات التي أعادت تشكيل منطقة الخليج العربي على مدى العقود القليلة الماضية، لا بد لنا أولًا من العودة إلى ماضيها. وفي حالة الكويت، وكما ورد في تدوينتي السابقة عن المدينة، فإن هذا الماضي لا ينفصل عن علاقتها الراسخة والمتضاربة في كثير من الأحيان مع كل من البحر والصحراء. لكنني هنا، أود التركيز على البحر، وتحديدًا على فيلم خالد الصديق الرائع "بس يا بحر" (البحر القاسي) الذي أُنتج عام ١٩٧٢. لا يُعد الفيلم مجرد صورة للكويت قبل النفط، بل هو تأمل في العديد من القضايا نفسها التي لا تزال تُشكّل البلاد حتى اليوم: التضحية، والانتماء، وعدم المساواة، والعلاقة المتوترة بين الناس والأماكن التي يسكنونها

:يبدأ الفيلم بكلمات مؤثرة من رثاء قديم لغواصي اللؤلؤ

كفى، كفى... يا بحر

أربعة أشهر... والخامس قادم
أحضرهم، أحضرهم... أبحروا، أحضروهم
ألا تخاف الله... يا بحر؟
لقد أخذت ابني... يا بحر
كفى، كفى... يا بحر

"توب توب يا بحر "
أغاني الغوص القديمة

تُرسّخ هذه الكلمات البُعد العاطفي للفيلم قبل ظهور أي صورة. فالبحر ليس مجرد خلفية، بل هو القوة المحورية التي تدور حولها الحياة. يُوفّر الغذاء بينما يُنذر بالدمار، ويُبشّر بالرخاء بينما يُطالب بتضحيات جسيمة. قبل أن تُصبح الكويت مرتبطة بالنفط والطرق السريعة وأفقها المتلألئ، كانت تعيش في عالم أكثر هشاشة، مُعلّقة بين مشهدين لا يغفران. وفّر البحر سُبل العيش من خلال الغوص بحثًا عن اللؤلؤ والتجارة، ومع ذلك، كان كل رحيل يحمل في طياته احتمال عدم العودة. وفّرت الصحراء الحماية، لكنها لم تُقدّم سوى القليل من الوفرة. بين هذين النقيضين، نشأت مستوطنةٌ عكست عمارتها الضرورة أكثر من الاستعراض. ​​أزقة ضيقة، ومنازل من الحجر المرجاني، وساحات ظليلة، ومساكن متواضعة، شكّلت مشهدًا حضريًا نابعًا من التكيف لا من الطموح. عند قراءتي للصفحات الأولى من فصلي عن الكويت في كتاب "الحداثة العربية" مرة أخرى، أذهلني مدى تطابق رؤية الصديق السينمائية مع هذه المدينة المنسية

رغم أن فيلم "بس يا بحر" صُوّر خلال طفرة البناء التي أعقبت استقلال الكويت، حين كانت الوزارات الحديثة والطرق السريعة والأحياء الجديدة تُعيد تشكيل البلاد بسرعة، إلا أن الفيلم يتجنب عمداً هذه الصورة الناشئة للرخاء. وبدلاً من ذلك، يُعيد بناء الكويت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين بضبطٍ ملحوظ. تتأمل كاميرته الأزقة الترابية، والجدران المتداعية، والساحات المفتوحة، والمنازل البسيطة التي يتناقض هدوؤها و وقارها بشدة مع العمارة الضخمة التي سرعان ما ستُعيد تعريف البلاد. عند النظر إلى هذه المشاهد اليوم، لا يسع المرء إلا أن يُدرك أن هذه الكويت قد اختفت تقريباً تحت وطأة الخرسانة والزجاج. ومع ذلك، لا يرثي الفيلم فقدان المباني فحسب، بل يرثي نمط حياة بأكمل

في قلب القصة يقف مساعد، شابٌ طموحاته متواضعة للغاية. كل ما يتمناه هو كسب ما يكفي من المال للزواج من نورا، المرأة التي يُحبها، لكن الفقر لا يترك له سوى خيارات قليلة. كغيره من الشباب قبله، ينضم إلى رحلة بحث عن اللؤلؤ، مدركًا تمامًا أن البحر الذي يحمل الأمل قد يودي بحياته أيضًا. مأساته ليست شخصية فحسب، بل تعكس نظامًا اجتماعيًا بأكمله، حيث يعتمد البقاء على قبول مخاطر جسيمة. الثروة والطبقة الاجتماعية والنظام الأبوي تُشكّل كل قرار. يرفض والد نورا الثري زواجهما، بينما تدفع الضرورة الاقتصادية مساعد نحو مصير مجهول. يصبح الحب والعمل والفقدان متلازمين لا ينفصلان

لكن ما أثار إعجابي أكثر من غيره لم يكن السرد فحسب، بل المساحات التي تتكشف من خلالها أحداثه. يتنقل مساعد مرارًا وتكرارًا عبر أزقة ضيقة محاطة بجدران بيضاء قبل أن يصل إلى أسفل نافذة نورا، حيث تدور أحاديثهما همسًا و من خلال نظرات خاطفة. يعزز البناء المعماري بهدوء القيود الاجتماعية التي تحكم حياتهما. تراقب نورا من خلف ستائر خشبية وفتحات موصدة تفصلها عن العالم الخارجي. يعكس منزل عائلة مساعد المتواضع، حيث تعد والدته الطعام جالسة على الأرض، مزيجًا من الحميمية والمشقة، بينما يجسد منزل نورا الأكبر حجمًا الرفاهية، ولكنه في الوقت نفسه يتحول إلى سجن عندما يغلق والدها غرفتها بعد أن قاومت سلطته. طوال الفيلم، لا تقتصر وظيفة المباني على كونها مجرد ديكور، بل تشارك في القصة، كاشفةً كيف يمكن للعمارة أن تعبر عن المودة والتسلسل الهرمي والحماية والسيطرة في آن واحد

وبنفس القدر من التأثير، تأتي المشاهد على متن سفينة صيد اللؤلؤ، حيث يندمج العمل والطقوس والموسيقى والخرافات في عالم اجتماعي واحد. من المشاهد التي لا تُنسى، مشهد النساء وهنّ يُغرقن قطة في مياه البحر، يدعون الله أن يعود الغواصون سالمين، على أمل أن يُجبرن البحر على الرحمة بإلحاق الأذى بالحيوان. يتلاشى المنطق أمام اليأس لانعدام أي وسيلة أخرى للسيطرة. وعندما يغرق مساعد في النهاية، يصبح قرار أمه بإلقاء لآلئه الثمينة في البحر من أكثر اللحظات إيلامًا في الفيلم. لا يرفض فعلها البحر الذي ابتلع ابنها فحسب، بل يرفض أيضًا النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي فرض مثل هذه التضحية على من هم أقل حظًا

عند ربط الفيلم بالتطورات الحضرية والمعمارية اللاحقة، يميل المرء إلى عقد مقارنات، وربما استنباط بعض التفسيرات المتعلقة بعدم المساواة والإقصاء والتهميش. لكن ربما يكون الدرس الأهم هنا هو أن السينما غالبًا ما تفهم المدن بشكل أعمق من أي وثيقة تخطيطية. فالخطط تخبرنا كيف تم تخيل المدن، بينما تكشف الأفلام كيف كانت تُعاش. لا يحفظ فيلم "بس يا بحر" مظهر الكويت الزائلة فحسب، بل يحفظ أيضًا إيقاعاتها وصمتها ومخاوفها وتطلعاتها. إنه يذكرنا بأنه قبل أن تصبح الكويت واحدة من أغنى دول الخليج، كانت مستوطنة هشة تدور حياتها الحضرية حول عدم اليقين والصمود الجماعي. لقد غيّر التحديث هذا الواقع بشكل جذري، جالبًا ازدهارًا ملحوظًا، وفي الوقت نفسه أنتج أشكالًا جديدة من الإقصاء تناولتها في مدونتي السابقة. ولذلك، يصبح الفيلم أكثر من مجرد إعادة بناء تاريخية، بل يصبح وسيلة لفهم الروابط التي تربط ماضي الكويت بحاضرها

بالعودة إلى "بس يا بحر" بعد تأملي في تاريخ الكويت الحديث، أدركتُ أنها ليست مجرد سردٍ عاطفي لعالم زائل، بل رفيقٌ لا غنى عنه لقصة المدينة المعاصرة. فإذا كانت الكويت التي استكشفتها في مدونتي السابقة قد كشفت كيف يمكن للعمارة الحديثة أن تجسد الأمل والإقصاء معًا، فإن "بس يا بحر" تُذكّرنا بأنه قبل أن تعيد الخرسانة والزجاج تشكيل المدينة، كانت هناك علاقة أخرى قد بدأت بالفعل في تغييرها: تلك العلاقة بين الصحراء والبحر. يُجسّد عبد الرحمن منيف هذا ببراعة في كتابه "مدن الملح"، حيث يقترب البدو، الذين كانوا في البداية يخشون البحر - "الماء غدار لا يشبع" - منه تدريجيًا بفضول وتردد، ثم بألفة. قبل وقت طويل من أن يُغيّر النفط مصير الكويت، كان البحر قد أصبح بالفعل مصدرًا للرزق وقوةً تتطلب التضحية، جاذبًا الناس بعيدًا عن يقين الصحراء نحو مستقبلٍ غامض. من نواحٍ عديدة، لم يُسرّع النفط سوى تحوّلٍ بدأه البحر قبل أجيال. من هذا المنطلق، لا يُعدّ فيلم "بس يا بحر" مجرد فيلم عن الكويت المفقودة، بل هو فيلم عن نشأة مجتمع يتعلم كيف يتعامل مع حالة عدم اليقين. إنه يُذكّرنا بأنّ أعظم سردية في تاريخ الكويت لم تكن قطّ تحوّلها الحضري المذهل فحسب، بل كانت قصة الرجال والنساء العاديين الذين تكيّفوا باستمرار مع البيئات المتغيرة - أولاً بين الصحراء والبحر، ثم بين التقاليد والحداثة - وهم يبحثون عن الأمن والكرامة والانتماء

الرابط الكامل للفيلم

Previous
Previous

فندق هيلتون النيل

Next
Next

التهميش والإقصاء المكاني