التهميش والإقصاء المكاني

صوابر، الذاكرة، والمدينة الخفية في الكويت

من بين جميع البحّارة الذين يجوبون الخليج العربي، يحتل بحّارة الكويت المرتبة الأولى في” الجرأة، والمهارة، والاستقامة الراسخة في الخُلُق. فمنذ خمسين عامًا لم يكن ميناؤهم، مع بلدتهم الصغيرة، يُذكر بشيء، أما اليوم فقد أصبح أكثر موانئ شمال الخليج نشاطًا وأهمية، متفوقًا حتى على ميناء أبو شهر (بوشهر). ويتمتع شيخها، عيسى، بسمعة طيبة في الداخل والخارج بفضل حسن إدارته وحكمته؛ فالرسوم الجمركية منخفضة، والمناخ صحي، والسكان ودودون، وهذه العوامل، إلى جانب مرسى مقبول ومرفأ أفضل من معظم المرافئ المجاورة، تجذب إلى الكويت مئات السفن الصغيرة التي كانت لولا ذلك ستقصد موانئ أبو شهر أو البصرة" 

بالغراف، ١٨٦٥، في وصفه للكويت

منظر جوي. الكويت. ٢٠٢٣ (الششتاوي)

في تدوينتي السابقة عن الدوحة، انطلقت من تأمل دمية دبّ عملاق في مطارها الدولي، وجعلت منها مدخلًا للتفكير في معنى البيت والانتماء. أما هذه المرة، فأود أن أكتب عن الكويت، مدينة قد تبدو للوهلة الأولى شبيهة بأي مدينة أخرى في الخليج، لكنها تختلف اختلافًا كبيرًا، كما اكتشفت خلال زيارتي الأولى لها عام ٢٠٠٧. فبمجرد وصولي إلى المطار، استقبلني مشهد جنود أمريكيين بكامل عتادهم يستعدون لبدء مهمتهم. ولم يكن وجود الجنود في حد ذاته أمرًا استثنائيًا، فالقوات العسكرية من مختلف الدول تنتشر في أنحاء الخليج والمنطقة، لكن ما أثار انزعاجي كان الاعتياد الظاهر على هذا المشهد، وكأنه جزء طبيعي من الحياة اليومية. غير أن ما أكد لي أنني أمام حساسية ثقافية مختلفة كان الأسلوب الجاف والمباشر لضباط الهجرة، وهو أسلوب يختلف تمامًا عن المعاملة الأكثر ودًا وترحيبًا التي اعتدت عليها في دبي وأبو ظبي وغيرهما من مدن الخليج. وفي وقت لاحق، وخلال مشاركتي في منتدى لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، الذي دُعيت إليه وعُقد في مقر منظمة المدن العربية، وهو مبنى يعكس ما يصفه البعض بطراز معماري "إسلامي" معاصر، بدأت أتعرف إلى المدينة عن قرب. كانت الفنادق شديدة التحصين، وكان دخولها يقتضي المرور عبر نقاط تفتيش أمنية. أقمت في وسط المدينة، وكنت أخرج مساءً للتجول سيرًا على الأقدام، فأجد نفسي منبهرًا بالمباني الحداثية، وفي الوقت نفسه أكتشف أن وسط الكويت لا ينتمي في الواقع إلى الكويتيين بقدر ما ينتمي إلى العمال القادمين من جنوب آسيا ومصر ودول أخرى، في حين يقيم الكويتيون في أحياء أكثر رقيًا تنتشر فيها الفيلات الفخمة

تركت إحدى الوقائع التي شهدتها خلال ذلك المؤتمر أثرًا لا يُمحى في ذاكرتي. فقد دار النقاش حول الأهداف الإنمائية للألفية التي أقرتها الأمم المتحدة، والهادفة إلى الحد من الفقر والقضاء على الأحياء العشوائية. وفي خضم النقاش، اعترضت مجموعة من السيدات الكويتيات المسنّات بصوت مرتفع. رفعت إحداهن يدها وقالت بحزم إن الحديث عن الفقر لا ينطبق على الكويت، لأنه ببساطة غير موجود فيها. وسرعان ما جاءها الرد من اقتصادي لبناني، أوضح أن العمال الذين يعيشون في معسكرات العمل والأحياء المهمشة يعانون من الفقر، وأنهم جزء من هذه المدينة بقدر أي مواطن كويتي، فقد أسهموا في بنائها، ولولاهم لما أصبحت على ما هي عليه اليوم. لكن الرد الأكثر حدة جاء من مسؤول كويتي كان يرأس فرع منظمة العمل الدولية في الكويت، إذ دعا السيدات إلى أن ينظرن حولهن في أحيائهن ليدركن أن الفقر جزء لا يتجزأ من النسيج الحضري للمدينة. ومع ذلك، لا بد من القول إنني صادفت أيضًا لحظات من الكرم والود. ومن أكثرها رسوخًا في ذاكرتي زيارتي إلى سوق المباركية بعد ترميمه؛ ذلك السوق التقليدي الذي يستحضر ماضي المدينة ويجسد هويتها وثقافتها. لم يكن مجرد إعادة إنشاء تراثية في الهواء الطلق، بل كان سوقًا حيًا نابضًا بالحياة، يلبي الاحتياجات اليومية للكويتيين. ومنذ تلك الزيارة، عدت إلى الكويت مرات عديدة، وهو ما يقودني إلى هذه التدوينة

وسط مدينة الكويت. ٢٠٠٧ (الششتاوي)

السوق القديم. الكويت. ٢٠٠٧ (الششتاوي)

أثناء تأملي في فصل الكويت من كتابي "الحداثة العربية: المدن والتاريخ والثقافة"، وجدت نفسي أقرأ صفحاته الأولى أكثر من الفصول اللاحقة. كنت قد عنونت المقدمة بـ"قبل الخرسانة والزجاج: أصداء شاطئٍ زائل"، وقد ذكّرتني إعادة قراءتها بأن الكويت، قبل أن تُصبح مرادفةً للنفط والازدهار والعمارة الحديثة، كانت تُعرَّف بشيءٍ أكثر هشاشة. كان هناك البحر، ولكن كانت هناك أيضًا الصحراء. بينهما امتدت مستوطنة متواضعة، كان وجودها يعتمد على التكيف مع بيئتين قاسيتين. وفّر البحر سُبل العيش من خلال الغوص بحثًا عن اللؤلؤ والتجارة، لكن كل رحيلٍ كان يحمل في طياته عدم اليقين واحتمالية عدم العودة. وعدت الصحراء بالمأوى، لكنها لم تُوفر الكثير. معًا، شكّلا ثقافةً حضريةً لم يتشكل قوامها بالثبات بقدر ما تشكلت بالمرونة. تجمعت بيوت الحجر المرجاني على طول أزقة ضيقة، وحمت الأفنية الظليلة العائلات من قسوة المناخ، ونمت المستوطنة تدريجيًا استجابةً للضرورة لا للرؤى الحضرية الكبرى. كانت مدينةً تعكس فيها العمارة الهشاشة بقدر ما تعكس الازدهار. لقد غيّر اكتشاف النفط كل ذلك، إذ أحدث تحولاً في المجتمع بوتيرة مذهلة وساهم في تحديث المدينة. لكن هذا التحول جاء بثمن باهظ، ألا وهو الإقصاء

وكان مشروع الصوابر هو المشروع الذي جسّد الإقصاء أكثر من غيره. فعندما صمّم آرثر إريكسون هذا المجمع السكني خلال سبعينيات القرن الماضي، لم يكن بصدد مجرد انشاء مبنى ضخم حديث آخر، بل كان يسعى إلى تحقيق طموحٍ اكبر: إنشاء حيّ حضري ذو كثافة عالية يستعيد العديد من الخصائص الاجتماعية للمدينة القديمة، مع احتضان إمكانيات العمارة الحديثة. ربطت ممرات مرتفعة بين المباني، وشجّعت ساحات مظللة على اللقاءات، ودعت المساحات المشتركة الأطفال للعب بينما كان الجيران يراقبون بعضهم بعضًا. وعلى عكس الفيلات الممتدة بلا نهاية في الضواحي، والتي باتت تُعرّف التخطيط العمراني في منطقة الخليج، لم ينظر سكان صوابر إلى الكثافة السكانية العالية كمشكلة، بل كفرصة. ولا يزال السكان السابقون يتذكرون تلك السنوات بحنينٍ كبير. كان الأطفال يتنقلون بحرية بين الشقق، وتوطدت الصداقات عبر المساحات المشتركة، وسارت الحياة اليومية بطرقٍ تُحاكي الأحياء القديمة دون أن تُعيد إنتاجها حرفيًا. من المغري اليوم أن نتذكر صوابر فقط من خلال صور تدهورها - التي التقطها المصور الراحل طارق الغصين بصدق مؤلم من خلال صوره المؤثرة بالأبيض والأسود - إلا أن القيام بذلك يتجاهل ما كانت تمثله في السابق: ربما كانت المحاولة الأكثر إقناعاً في منطقة الخليج للتوفيق بين العمارة الحديثة والحياة الحضرية التقليدية

اقتراح صوابر الأصلي. آرثر إريكسون

صوابر قبل الهدم. طارق الغصين

لذا، لا يمكن إلقاء اللوم في تدهورها على العمارة فحسب. فمثل العديد من مشاريع الإسكان الحديثة حول العالم، أصبحت صوابر ضحية لعوامل تتجاوز تصميمها بكثير. تدهورت الصيانة، وانهارت البنية التحتية، وتعقدت الملكية، وقُسّمت الشقق، واشتدت المضاربات، وحوّل الخطاب العام المجمع تدريجيًا إلى رمز للفشل. وبمجرد أن التصقت وصمة العار بالمباني، أصبح الهدم شبه حتمي. ومع ذلك، لم يحل هدم صوابر سوى القليل. فقد طوى صفحة أخرى من تاريخ الكويت الحضري، تاركًا دون حل المسائل الاجتماعية التي ساهمت في تدهورها في المقام الأول 

أثناء تفكيري في مشروع صوابر، اطلعتُ على أعمال الفنانة الكويتية دانا الرشيدي. سلسلة أعمالها "عمارة الذاكرة" تتجاوز مجرد توثيق المباني المتلاشية، فهي ترثي عوالم تتلاشى. لوحتها المؤثرة لمشروع صوابر - وغيره من المعالم المعمارية الحديثة - أثناء هدمه، تُجسّد شيئًا غائبًا عن تقارير التخطيط والتاريخ الرسمي: الحزن. تختفي المباني ماديًا قبل أن تختفي عاطفيًا. ويستمر الناس في العيش في الأماكن من خلال الذاكرة حتى بعد انتهاء الجرافات من عملها. تُذكّرنا لوحاتها بأن العمارة لا تقتصر على تنظيم الفضاء فحسب، بل تُشكّل أيضًا حياة الناس، وروتينهم اليومي، وصداقاتهم، وذكرياتهم التي لا يمكن محوها بالهد

تصل الأدبيات إلى استنتاجات مماثلة عبر وسائل مختلفة. تروي رواية "ساق البامبو" لسعود السنعوسي قصة شاب فلبيني، ابن أب كويتي وعاملة منزلية فلبينية، عالق بين هويتين، لا ينتمي تمامًا إلى الكويت ولا إلى الفلبين. يُناقش صراعه باعتباره صراعًا على الجنسية والمواطنة، إلا أنها في الوقت نفسه قصة مكان. بعض الأحياء ترحب به بينما تستبعده أخرى. بعض المنازل تصبح عصية على الوصول. بعض الهويات تفتح الأبواب بينما تغلقها أخرى بهدوء. بعد قراءة الرواية مجددًا بعد إعادة قراءة "صوابر"، أدركت أن التهميش ليس مجرد مسألة اجتماعية، بل هو ذو بُعد مكاني عميق. يُعاش من خلال الأماكن التي يسكنها المرء ولكنه لا يمتلكها تمامًا، من خلال المدن التي ترحب بعمله مع احتفاظها بانتمائه

"عمارة الذاكرة". دانا الرشيدي

تكشف هذه الأعمال الفنية عن أبعادٍ للكويت قلّما تُغطيها كتب تاريخ العمارة وحدها. إنها تُذكّرنا بأن المدن لا تُعاش من خلال المخططات الرئيسية أو المباني الشهيرة، بل من خلال الحياة اليومية التي تتكشف داخلها. كما تُفسّر سبب بقاء الكويت راسخةً في ذاكرتي بعد كتابة فصلها في تاريخ الحداثة العربية. تُثير المدينة تساؤلاتٍ تتجاوز حدودها. كيف تُعيد الحداثة تشكيل أفق المدن والمجتمعات؟ كيف يُبرز التخطيط بعض المدن بينما يُخفي أخرى؟ ولعلّ الأهم من ذلك، كيف يُمكن للمدن الحفاظ على الذاكرة دون التضحية بالمستقبل؟

مع ذلك، ورغم هذه التساؤلات الصعبة، ما زلت متفائلاً. ففي أرجاء الكويت، بدأ جيلٌ جديدٌ من المعماريين والمؤرخين والفنانين وصانعي الأفلام والكتاب في استعادة تاريخ المدينة المنسي. وبدلاً من الاحتفاء بالهدم باعتباره تقدماً حتمياً، يُوثّقون الأحياء قبل أن تختفي، ويحافظون على المباني الحديثة التي كانت تُعتبر بالية، ويسجلون الروايات الشفوية، ويتحدّون الروايات الرسمية للتحديث. يُشير عملهم إلى أن الذاكرة نفسها يُمكن أن تُصبح شكلاً من أشكال المقاومة، مما يسمح للمدن باستعادة قصص لا يُمكن للخرسانة وحدها أن تُخلّدها

قبل النفط، كانت الكويت تتطلع إلى البحر لأن بقاءها كان يعتمد عليه. اليوم، لم يعد البحر هو من يحدد مصير المدينة، لكنه لا يزال يقدم درسًا مهمًا. تمحو الأمواج آثار الأقدام بسهولة ملحوظة، ومع ذلك تعود مرارًا وتكرارًا إلى الشاطئ نفسه. المدن كذلك إلى حد كبير. تختفي المباني، وتُهدم الأحياء، وتنتقل الأجيال، لكن للذكريات طريقة عجيبة في الظهور من جديد. من خلال عمل المعماريين والفنانين وصناع الأفلام والروائيين والسكان العاديين الذين يرفضون النسيان، تستمر كويت أخرى في الوجود تحت الخرسانة والزجاج

هنا، قد توفر كلمات بالغراف في المقدمة التخفيف من حدة الواقع الراهن الي حد ما: كانت الكويت في يوم من الأيام مكانًا متسامحًا ومرحبًا، ويمكنها أن تعود كذلك. لعلّ الأمل يكمن في هذا تحديدًا - ليس في استعادة مدينة كما كانت في الماضي، بل في ضمان الاعتراف أخيرًا بمن سكنوا احيائها كجزء لا يتجزأ من تاريخها، كما كانوا دائمًا. عندها فقط يمكن للعمارة أن تتجاوز كونها مجرد مبانٍ، لتُرسّخ فهمًا أعمق وأكثر شمولًا للانتماء

الكويت. ٢٠١٢. شرق. منظر للمركز المالي الكويتي من سطح مبنى في شرق حيث يسكن العمال المهاجرون ذوو الدخل المحدود. © فيصل الفوزان





























Next
Next

الدبّ تحت المصباح