طيفُ دبي في نيويورك

هدسون ياردز في نيويورك هي دبي — وليس على نحوٍ جيد

أفق دبي العمراني: سرابٌ في الصحراء. (ياسر الششتاوي)

ثمة لحظة غريبة تكررت معي أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة. اثناء المشي في مدينة ليس لها أي علاقة بدبي، وإذا بدبي تتجسد أمامي فجأة. ليس حرفيًا بالطبع، بل كطيف

حدث ذلك أول مرة في ميلانو. كنت أسير في المركز التاريخي للمدينة عبر شوارعها الضيقة، تحيط بي مبانٍ يعود عمرها إلى قرون، حين انجذب بصري على غير توقع نحو برجٍ شاهق بعيد. للحظة خاطفة كدت أقسم أنني أنظر إلى برج خليفة. كان مشهدًا غريبًا. بدا البرج أصغر حجمًا على نحوٍ ما، وكأن أحدهم صنع نسخة مصغّرة من أشهر معالم دبي ودسّها بعناية في شمال إيطاليا. كان الحي هو بورتا نوفا، الذي يسميه بعض أهل المدينة «دبي الصغيرة». ومن المفارقة أن المشروع يدين بوجوده إلى الاستثمار القطري لا إلى دبي. لكن ذلك لا يكاد يهم. فكلما اكتسبت مدينةٌ ما مجموعةً من الأبراج المبهرة والمساكن الفاخرة والعمارة الاستعراضية والاستهلاك الباذخ، وُصفت على نحو شبه حتمي بأنها «دبي صغيرة» أخرى

وسط مدينة ميلانو. (ياسر الششتاوي)

يدل هذا عن قوة علامة دبي التجارية أكثر مما يدل علي دبي نفسها. فقد غدت اختزالًا للبريق والطموح والفخامة والآفاق المستقبلية. غير أنها اكتسبت في الوقت نفسه معنى آخر مختلفًا تمامًا. فباتت «دبي» تعمل، على نحو متزايد، بوصفها تحذيرًا — علامةً مرئية على نمط من العمران قوامه الاستعراض والانغلاق النخبوي والانفصال عن الحياة الحضرية اليومية

طيفٌ مشابه تراءى لي مؤخرًا في نيويورك. كنت قادمًا من الهاي لاين، و دخلت منطقة هدسون ياردز ولم أكن أتوقع أكثر من مشروع معاصر آخر متعدد الاستخدامات. كانت الأبراج أنيقة، والفضاءات العامة في غاية العناية، والمجمع التجاري فاخرًا، والشقق تُباع بعشرات الملايين من الدولارات. ولم أشعر إلا بعد أن أمضيت بعض الوقت هناك بأن ثمة شيئًا خاطئًا على نحو خفيّ لكنه لا تخطئه الحواس. ذكّرني الإحساس بالطابق السابع والنصف في فيلم «أن تكون جون مالكوفيتش»، حيث يبدو كل شيء طبيعيًا تمامًا لكنه مشوّه قليلًا على نحو ما. لم تكن التفاصيل، منفردةً، لافتة. لكنها مجتمعةً ولّدت شعورًا طاغيًا بأنني دخلت مكانًا تحكمه قواعد مختلفة

جلست على حافة حوض مزروع قرب «الفيسل»، منشأة توماس هيذرويك الذائعة الصيت، التي ما زالت تبدو لي واحدة من أكثر الاشكال الحضرية المشيدة مؤخرأ استعصاءً على الفهم. حتى العثور على مدخلها كان عسيرًا على نحو غريب رغم يقيني التام بوجوده. وبينما كنت أستريح هناك، اقتربت مني امرأة فجأة وراحت تتحدث بالإسبانية بسرعة وبشيء من الغضب، مشيرةً مرارًا إلى شيء خلفي. و بدا أنه طاقم تصوير. اعتذرت، وأوضحت أنني لا أفهم، وحاولت أن أتبيّن ما تريد. وقبل أن أستوعب ما يجري، انصرفت فجأة تاركةً إياي في حيرة تامة. ولبرهة تساءلت بجدّية عما إذا كنت قد دخلت موقع تصوير من غير قصد، أو ما إذا كانوا ببساطة ينتظرون رحيلي. وبينما واصلت المشي، وقعت حادثة أخرى غريبة. مررت بامرأة ترتدي ما يشبه الزيّ الرسمي، فابتسمت بدفء. كانت لفتة عادية تمامًا، لكن حتى الابتسامة، داخل هدسون ياردز، بدت وكأنها جزء من نصّ مُعدّ سلفًا. ومرة أخرى وجدتني أتساءل: لماذا كل هذا الانزعاج؟

هدسون ياردز، نيويورك. (ياسر الششتاوي)

الجواب، فيما أظن، لا يكمن في هذه اللقاءات المفردة بقدر ما يكمن في البيئة ذاتها. المكان مليء بلافتات توجّه الحركة، وأنظمة خفية تضبط السلوك، ومساحات خضراء مصانة بعناية، وإحساس شامل بالمراقبة من دون أن تبدو قمعية على نحو صريح. ورغم حضور الناس، كان الحي بأكمله يوحي بشعور طاغٍ بالزوال و الاغتراب. كان يشبه فضاءً عامًا من دون أن يصير واحدًا قط. وكان في الأجواء شيء يقارب طقوس الجماعات المغلقة، وكأن الجميع اتفقوا، من غير وعي، على المشاركة في عرضٍ محكم الإخراج. حضرني فورًا مفهوم مارك أوجيه عن «الحداثة الفائقة». فهدسون ياردز تجسد كثيرًا من خصائص «اللامكان»: فضاءات منظمة حول الاستهلاك والحركة والكفاءة لا حول الانتماء. يمكن للمرء أن يعيش هناك من دون أن يحتاج يومًا إلى الخروج إلى المدينة المحيطة. فالشقق الفاخرة تشغل الأبراج في الأعلى، وفي الأسفل مجمع تجاري هائل يضم كل ما قد يحتاجه المرء. المكاتب والمطاعم والترفيه ومنصات الإطلالة والنوادي الرياضية والمتاجر، كلها مدمجة بسلاسة في بيئة واحدة منكفئة على ذاتها

المدينة نفسها تغدو، شيئًا فشيئًا، غير ضرورية. وهنا تدخل دبي إلى الحكاية

ليس لأن هدسون ياردز تشبه دبي بأي معنى معماري حرفي، بل لأن كلتيهما تشارك في ما يمكن تسميته «متلازمة دبي»: حالة تعيد فيها المدن، على نحو متزايد، إنتاج نموذج قوامه الانغلاق النخبوي والانكفاء والفخامة والإحلال التدريجي لبيئات مُدارة بعناية محل الحياة الحضرية العامة. بورتا نوفا في ميلانو تجلٍّ من تجليات هذه الظاهرة، وهدسون ياردز تجلٍّ آخر. ومشاريع مشابهة لا تفتأ تظهر في أنحاء العالم، بصرف النظر عما إذا كانت لدبي أي صلة بتمويلها أو تصميمها

لم تكن تلك المرة الأولى التي أصادف فيها هذا الربط. فقبل سنوات، وأنا أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن جين جيكوبس، استوقفني مشهده الختامي. فبعد سرد حملتها الناجحة ضد الطريق السريع الذي اقترحه روبرت موزس في مانهاتن السفلى، يعرض المشهد الأخير تصوّر ذلك الطريق السريع المقترح بأبراجه الخيالية (التي لم تُبنَ قط)، ثم يتلاشى تدريجيًا ليذوب في صورة لشارع الشيخ زايد في دبي. واللافت أن دبي لا تُذكر بالاسم قط. فهي لا تحتاج إلى ذلك. الأفق وحده يوصل الرسالة المقصودة. أصبحت اختزالًا بصريًا مستقبلٍ حضري يُخشى منه أكثر مما يُحتفى به

لماذا اكتسبت دبي هذا الدور الرمزي؟ يكمن جانب من التفسير، بلا شك، في استمرار الافتراضات الاستشراقية، وفي نوعٍ من القلق الغربي إزاء التحولات العمرانية السريعة التي تشهدها مدنٌ أخرى. فإسقاط هواجس الديستوبيا على مدينة شرق أوسطية أسهل بكثير من الإقرار بنزعات مشابهة تنبثق من الداخل. غير أن ثمة تفسيرًا آخر لا يقل وجاهة في نظري. فقد قطّرت دبي كثيرًا من السمات المحدِّدة للعمران المعاصر في أنقى صورها: الاستعراض، والزوال، وخصخصة الفضاء العام، وفرط الحركة، والاستهلاك. إنها تعمل تقريبًا كمختبر مكثّف لعمليات تنتشر الآن عبر العالم. والكلمة المفتاحية هنا هي العمران النيوليبرالي

لقد استبق الخيال العلمي هذا المستقبل قبل عقود. فأفلام مثل «بليد رانر» تخيلت مدنًا يفصل فيها التفاوت بين مَن هم في الداخل ومَن هم في الخارج، بينما قدّم فيلم «كود ٤٦» عالمًا ذابت فيه هويات المدن ذوبانًا شبه كامل. وحين يشاهد المرء «كود ٤٦» كثيرًا ما يفقد القدرة على تحديد ما إذا كانت الأحداث تجري في لندن أو شنغهاي أو دبي أو في مكان آخر تمامًا. المدن تنساب بعضها في بعض بشكل سلس. وما بدا يومًا محض تخيل صار يشبه المدينة المعاصرة أكثر فأكثر

هدسون ياردز، إذن، ليست دبي. لكنها تستحضر دبي لأن كلتيهما غدت رمزًا لمسار بعينه من مسارات التطور الحضري. فكلتاهما تقدّم المدينة بوصفها مشهدًا استهلاكيًا محكم الضبط أكثر منها مكانًا للقاء. وأنا أمشي في هدسون ياردز، أدهشني مرارًا كم يدير المشروع ظهره لمانهاتن على نحو حاسم. حتى مبنى زها حديد السكني المجاور، على ما فيه من أناقة لا تُنكر، يبدو منشغلًا في المقام الأول بعالمه المصمَّم بعناية أكثر من انشغاله بالتفاعل مع المدينة من حوله. وفي لحظة ما وجدتني أرسم «الفيسل». لم يكن الرسم محاولة لالتقاط المنشأ بقدر ما كان محاولة لفهم سرّ انزعاجي منه إلى هذا الحد. ثم استسلمت في النهاية. لم يكن «الفيسل» نفسه هو المشكلة قط. المشكلة كانت في الحالة الحضرية التي يمثّلها

سكيتش «ذا فيسل». (ياسر الششتاوي)

ومع كل هذه الهواجس، غادرتُ بإحساس غير متوقع من التفاؤل. فقرب محطة المترو، خارج الحدود المضبوطة بعناية لهدسون ياردز مباشرة، انتصبت عربة شاورما متواضعة. كانت غير مرتبة بعض الشيء، مرتجلة نوعًا ما، وعادية على نحو منعش. الناس يتلكؤون. الأحاديث تتداخل. الزبائن ينتظرون بلا عجلة ظاهرة. وعلى خلاف كل ما يحيط بها تقريبًا، بدت العربة حضرية بحق. بدت وكأنها تتأهب، بصبر يكاد يكون متعمدًا، لغزو هدسون ياردز من أطرافها

تلك، ربما، هي الطريقة التي تقاوم بها المدن في نهاية المطاف. الحياة اليومية تحتل ببطء فضاءاتٍ لم تُصمَّم لها قط. يظهر الباعة. تعود العفوية. يستولي السكان على المشاهد المصممة بعناية بطرق غير متوقعة، حتى تغدو أكثر المشاريع انضباطًا، شيئًا فشيئًا، جزءًا من المدينة. إلا إذا حدث العكس بالطبع — إلا إذا تكاثرت البوابات، واشتدت المراقبة، وراح حراس مسلحون بكلابهم يترصدون المارّةً الابرياء

عربات الطعام المقابلة لهدسون ياردز. (ياسر الششتاوي)

أما الآن، فالحكاية لم تكتمل بعد. طيف دبي ما زال يتراءى في مدن العالم، لا لأنها تتحول إلى دبي، بل لأن دبي غدت استعارة نافذة على نحو استثنائي لمستقبلنا الحضري. وسواء قرأنا ذلك المستقبل بوصفه براقًا أو مقلقًا إلى حد بعيد، فذلك يتوقف إلى حد كبير على تفسيرنا الشخصي. وفي الحالتين، يجدر بنا أن نبقي أعيننا على دبي، فما يحدث هناك اليوم ينبئ، على نحو متزايد، بما قد يتكشف قريبًا في أماكن أخرى. علينا أن نراقب بانتباه، لا لأن دبي فريدة، بل لأنها ربما تُرينا أنفسنا

لا بد أن نظل متيقظين

Next
Next

بيروت