الدبّ تحت المصباح

الدوحة، والانتماء، والعمارة المؤقتة

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا “
 نحن الضيوف و أنت رب المنزل
نحن نحب لمن يزور بيوتنا
“حرجا على من زارنا لم يرحل

(٨٧٣-٩٦٨) أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي

مطار حمد الدولي، الدوحة. «بلا عنوان (مصباح/دب)» للفنان أورس فيشر. (ياسر الششتاوي)

قبل بضع سنوات، وبينما كنت أنتظر رحلتي عائدًا من الدوحة، وجدت نفسي أقف أمام دمية دبّ صفراء عملاقة تجلس تحت مصباح في وسط صالة مطار حمد الدولي. يحمل العمل التركيبي/النحتي، الذي أنجزه الفنان السويسري أورس فيشر، وعنوانه "بلا عنوان (مصباح/دب)"، وأصبحت واحدة من أشهر المعالم "الثقافية" في قطر. في البداية، لم أفعل سوى التحديق فيها بحيرة. بدت لي في غير موضعها، وكأنها قطعة عبثية أُقحمت في ما وصفه مارك أوجيه بأنه «اللامكان»؛ أي ذلك الفضاء العابر الذي يمرّ عبره آلاف الأشخاص كل يوم من دون أن يقطنوه أو ينتموا إليه حقًا. بدت مرحة، وربما مقصودًا بها أن تكون ساخرة أو غرائبية، لكنني لم أستطع أن أفهم لماذا تحولت إلى هذا الرمز الشهير. ولم أدرك إلا لاحقًا أن المنحوتة صُممت لتستحضر الطفولة، والدفء، والحنين، وقبل كل شيء، الإحساس بالبيت. عندها تحوّل ما بدا لي في البداية مجرد عمل غريب الأطوار إلى شيء أكثر إثارة للقلق. فقلّما يوجد مكان في الخليج يجسد مفارقة «البيت» كما يجسدها المطار. فالملايين يصلون إليه بحثًا عن فرصة، والملايين يغادرونه في نهاية المطاف. بالنسبة إلى بعضهم، يشكّل المطار بوابة إلى حياة أكثر رخاءً. أما بالنسبة إلى آخرين، فهو يمثل نهاية سنوات قضوها في تشييد أماكن لم يُكتب لها يومًا أن تصبح بيتأ، وبداية رحلة العودة إلى مكان لم يعد، بعد طول غياب، يشعرون بأنه البيت الذي تركوه. وبينما كنت أتأمل هذا العمل التركيبي/النحتي، تذكرت بيتًا للشاعر العراقي في القرن التاسع، أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي

"نُحِبُّ مَن يزورُنا في ديارِنا... ويُحرِجُنا مَن زارَنا ولم يرحل." يلخّص هذا البيت كرم الضيافة العربية التقليدية، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن واحدة من أعمق مفارقات مدن الخليج. فهذه المدن شُيّدت على أيدي أناس هم، بحكم التعريف، مؤقتون. عمال البناء، والمهندسون، والمعماريون، والأكاديميون، والعاملات المنزليات، والأطباء، والمستشارون؛ يشغلون مواقع مختلفة داخل المنظومة نفسها، وقد تميزهم مستويات الدخل أو المكانة الاجتماعية، لكنهم يجمعهم يقينٌ واحد، وهو أنهم سيغادرون يومًا ما

وقد لامسني هذا البيت على نحو شخصي وعميق. فقد أمضيت عشرين عامًا أعيش وأدرّس في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي سنوات شكّلت مسيرتي الأكاديمية بقدر ما صاغت فهمي لمدن الخليج. حظيت بفرص استثنائية، وزملاء كرماء، وطلاب متميزين، وحياة مريحة. غير أن ذلك كله كان يخفي يقينًا صامتًا ظل يرافقني دائمًا، وهو أنني، في نهاية المطاف، كنت مقيمًا أجنبيًا يبقى وجوده مشروطًا. وكان التقاعد يعني حتمًا المغادرة. وقد اخترت أن أغادر قبل أن يحين ذلك اليوم، عائدًا إلى الولايات المتحدة وأنا أدرك تمامًا أنه، رغم عقدين كاملين في الخليج، لم أشعر يومًا بأنني أنتمي إليه حقًا. وعندما أعود بذاكرتي إلى تلك الدمية العملاقة، أدرك أنها لم تكن تتحدث عن البيت بقدر ما كانت تتحدث عن غيابه.

ولهذا، كلما زرت الدوحة، عادت إليّ هذه الأفكار من جديد. فهي تشكل الخيط العاطفي الذي ينظم الفصل الذي خصصته للمدينة في كتابي "الحداثات العربية: المدن، التاريخ والثقافة". فالدوحة تمثل بلا شك واحدة من أكثر مشاريع التحول العمراني طموحًا في العالم العربي، غير أن خلف عمارتها المبهرة تختبئ قصة أكثر تعقيدًا، قصة تتجاور فيها حداثة استثنائية مع شعور عميق بعدم الديمومة

منظر جوي للدوحة. (ياسر الششتاوي)

وجدت نفسي أستعيد هذه الأفكار خلال إقامتي الأخيرة في الدوحة، وأنا أزور فندق ذا نِد. فقبل أن يتحول إلى واحد من أكثر فنادق المدينة فخامةً وحصرية، كان المبنى يشغل مقر وزارة الداخلية، ويُعد أحد أبرز نماذج العمارة الحداثية في الخليج. وصلت سيارة الأجرة بعد غروب الشمس، فلم تتح لي فرصة تأمل المبنى من الخارج. ولم أدرك قيمته الحقيقية إلا بعد أن وطئت قدماي الداخل. فقد أعادني البهو الرحب، والفراغات التي رُممت بعناية، والأثاث الأنيق، والإضاءة الخافتة، والأجواء التي تستحضر بوضوح منتصف القرن العشرين، إلى تفاؤل سبعينيات القرن الماضي، حين كانت العمارة الحداثية تعد بمستقبل أفضل، لا بمجرد مستقبل أكثر ترفًا 

وقد قُدّم العشاء في الخارج، على شرفة تطل على مياه الخليج. ومن خلفها ارتفع أفق الدوحة العمراني، تتلألأ أبراجه في ضوء المساء. كان المشهد، بلا شك، آسرًا في جماله، لكنني لم أستطع التخلص من شعورٍ بأنني لا أرى سوى نسخة واحدة، صُممت بعناية، من المدينة. فكل ما كان ظاهرًا أمامي كان يتحدث عن الازدهار، والرقي، والطموح إلى العالمية

فندق ذا نِد، الدوحة. (تصوير: سايمون منغز)

في صباح اليوم التالي، قررت أن أتمشي

غادرت فندق الماندرين أورينتال في حي مشيرب الراقي، واتجهت ببطء نحو النجادة، وهو حي كنت قد زرته لأول مرة قبل أكثر من عقد، عندما كان مشروع مشيرب لا يزال قيد الإنشاء. خلال تلك الزيارة الأولى، كان واضحًا أن الحي ينتظر الهدم، لكنه كان، رغم ذلك، يعج بالحياة. كانت الأزقة الضيقة تتخلل بيوتًا متواضعة ذات أفنية داخلية، فيما كانت البقالات الصغيرة، والمطاعم الشعبية، والمتاجر البسيطة تخدم مجتمعًا يغلب عليه العمال والمهاجرون. كانت عمارة الحي تنتمي إلى زمن مضى، لكن شوارعه كانت تحتفظ بشيء أصبح نادرًا على نحو متزايد في مدن الخليج: ذلك التراكم الهادئ للحياة اليومية. وعندما عدت إليه عام ٢٠٢٤، كان الشعور بالاغتراب طاغيًا. فقد اختفى كل شيء تقريبًا. اختفت البيوت القديمة، ومُحيت الأزقة، وحلت محلها عمارات سكنية مجهولة الملامح، كان يمكن أن تنتمي إلى أي مدينة أخرى تشهد نموًا متسارعًا. وبينما كنت أسير في المكان، وجدت نفسي أبحث عن معالم مألوفة، لأكتشف أن الذاكرة أصبحت نقطة الارتكاز الوحيدة التي بقيت لي

أما مشيرب، فقد حظيت باحتفاء عالمي بوصفها نموذجًا للعمران المستدام المستلهم من التراث القطري. وقد زرتها مرات عدة، أولها عندما كانت لا تزال قيد الإنشاء، ثم لاحقًا أثناء إقامتي في فندق الماندرين أورينتال، حيث استضافني منظمو أحد المؤتمرات. ولا شك أن في المشروع الكثير مما يدعو إلى الإعجاب. فهي حي قابل للمشي، تراعي الاعتبارات البيئية، وصُممت بعناية فائقة، فيما تعيد شوارعها الضيقة والمظللة قراءة الأشكال العمرانية التقليدية بقدر كبير من الإتقان. لكن كلما طال بقائي فيها، ازداد شعوري بعدم الارتياح. فقد بدا الحي منغلقًا على نفسه، أشبه بقلعة محصنة. وكانت المباني متشابهة إلى حد أنني أضعت طريقي مرارًا وأنا أحاول العودة إلى الفندق. والأهم من ذلك أن مغادرة الحي كانت تمنحني إحساسًا واضحًا بأنني أعبر حدودًا فاصلة بين مدينتين مختلفتين تمامًا. ففي الداخل كانت هناك رؤية عمرانية متقنة ومصقولة، أما في الخارج فكانت تنبسط أمامي فوضى الدوحة اليومية بكل ما تحمله من تعقيد وحيوية

ولم يكن ما أقلقني هو العمارة ذاتها، بل ما اختفى لكي تصبح ممكنة. فقد أُقيم مشروع مشيرب في معظمه على أرض خالية، باستثناء مبنى تاريخي يعود إلى الأسرة الحاكمة. أما على الجانب الآخر مباشرة، في حي النجادة، فقد كانت تنتشر المقاهي الشعبية، ومحال الحلويات الباكستانية، وصالونات الحلاقة، وباعة السمبوسك، وعشرات المتاجر الصغيرة التي كانت تخدم المجتمعات المهاجرة في المدينة. لقد اختفت تلك الحياة بصمت، لتحل محلها نسخة مصقولة ومُعاد بناؤها بعناية من التراث

نجادة (الششتاوي)

مشيرب (الششتاوي)

ولحسن الحظ، تقدم الدوحة أحيانًا سردية أخرى

في إحدى الأمسيات، خرجت من مشيرب متجهًا إلى سوق واقف. وكثيرًا ما يُنتقد السوق بوصفه مجرد إعادة بناء متقنة، ويذهب البعض إلى أن مظهره التاريخي لا يخفي حقيقة كونه مشروعًا معاصرًا. وفي هذا النقد شيء من الصحة. غير أن المدن، في نهاية المطاف، لا تُقاس بمدى أصالة مبانيها بقدر ما تُقاس بأصالة الحياة التي تنبض داخلها. فقد كان السوق يعج بالقطريين، والسياح، والعمال المهاجرين، والعائلات، والباعة، جميعهم يتشاركون الفضاء العام نفسه. وبعد أن اشتريت جنبية يمنية تقليدية، اصطحبني صاحب المتجر عبر متاهة من الأزقة الضيقة إلى جهاز صراف آلي يقع في عمق السوق. كان لقاءً عابرًا، يكاد يبدو بلا أهمية، لكنه ذكّرني بأن المدينة الحقيقية لا تصنعها العمارة وحدها، بل تتشكل من المصادفات، والتفاعلات غير المخطط لها، واللقاءات اليومية البسيطة التي لا يستطيع أي مخطط عمراني، مهما بلغت دقته، أن يتنبأ بها أو يصممها

ومن هناك واصلت سيري نحو متحف قطر الوطني. ولا شك أن المبنى نفسه تحفة معمارية لافتة، إذ ترتفع "وردة الصحراء" التي صممها جان نوفيل من قلب المشهد بقوة وحضور. لكن ما بقي عالقًا في ذاكرتي لم يكن العمارة بقدر ما كان الطريق المؤدي إليها. فقد بدت الشوارع شبه خالية، بينما كانت مجموعات متفرقة من العمال المهاجرين تشق طريقها بصمت نحو مساكنها. وقد أعادتني رؤيتهم إلى ملاحظة أوردها جون ماكمانوس في كتابه "داخل قطر"، حين كتب أن هؤلاء هم الرجال الذين بنوا البلاد، ومع ذلك يكاد حضورهم يغيب عن صورتها الرسمية. وبينما كنت أنظر إلى المتحف، ثم ألتفت إلى أولئك العمال، وجدت نفسي أستحضر مرة أخرى دمية الدب العملاقة التي كانت تنتظر بصبر في صالة المطار

سوق واقف (الششتاوي)

متحف قطر الوطني (الششتاوي)

ولعل هذا ما جعل الكتابة عن الدوحة أصعب بالنسبة إليّ من الكتابة عن مدن خليجية أخرى. فأفقها العمراني المذهل، ومتاحفها، وفضاءاتها العامة تستحق الإعجاب بلا شك، لكنها تفرض أيضًا أسئلة مقلقة. من الذي ينتمي حقًا؟ ومن الذي يظل مرئيًا؟ ومن الذي يُحفظ في الذاكرة؟ ومن الذي يختفي في نهاية المطاف؟ إنها أسئلة تظل ترافقك طويلًا بعد مغادرة المدينة، تمامًا كما يظل ذلك الدب العملاق جالسًا بصمت في صالة المطار، يراقب أفواج المسافرين الذين لا يتوقفون عن الوصول والمغادرة، وعن التساؤل في أعماقهم أين يكون الوطن حقًا

وقد ذكّرتني هذه المشاهد بأن للدوحة حياتين حضريتين متوازيتين. الأولى هي مدينة المجلات المعمارية، والمؤتمرات الدولية، والمتاحف المبهرة، والفنادق الفاخرة، والفعاليات الرياضية العالمية. إنها الدوحة التي تتصدر الأفلام الترويجية وإعلانات شركات الطيران، المدينة التي تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها نموذجًا للثقة، والازدهار، والرقي الثقافي. أما الدوحة الأخرى فهي أكثر تواضعًا، ويمكن العثور عليها في أحياء مثل النجادة القديمة، وفي المقاهي، والأسواق الشعبية، ومساكن العمال، وفي تفاصيل الحياة اليومية للأغلبية المهاجرة التي جعل عملها كل تلك الرؤى الطموحة ممكنة. وكانت هذه المدينة الثانية هي التي وجدت نفسي أبحث عنها باستمرار. ففي كل زيارة كنت أنجذب إلى الأماكن التي ما زالت الحياة اليومية فيها تقاوم أن تتحول إلى مجرد مشهد استعراضي

وكان أحد هذه الأماكن سوق الحراج. فعلى خلاف مراكز التسوق اللامعة التي أصبحت عنوانًا لثقافة الاستهلاك في الخليج، كان السوق صاخبًا، وفوضويًا، ومفعمًا بالمفاجآت. كانت الأثاث، والأجهزة المنزلية، والملابس، والإلكترونيات، وأشياء لا حصر لها يستحيل تتبع تاريخها، تنتقل من يد إلى أخرى بين أشخاص ينتمون إلى خلفيات لا تكاد تُحصى. وكانت عربات الطعام تملأ المكان بروائح مألوفة، فيما كانت الأحاديث تنساب بسهولة بين العربية، والأردية، والهندية، والبنغالية، والتاغالوغ، والإنجليزية. ورغم أن أفراد الأمن كانوا يحرصون على ألا يمكث المتسوقون طويلًا في بعض الزوايا، فإن السوق ظل يحتفظ بشيء بات نادرًا على نحو متزايد في فضاءات الدوحة الأكثر صقلًا وتنظيمًا: العفوية

سوق الحراج (الششتاوي)

ومع ذلك، لا ينبغي لكل ما سبق أن يحجب ما حققته الدوحة. فما زال الكورنيش واحدًا من أجمل الواجهات البحرية في الخليج. ممتدًا على طول الخليج بين متحف الفن الإسلامي ومنطقة الخليج الغربي، يشكل أحد الأماكن القليلة التي تخف فيها، ولو مؤقتًا، حدة الانقسامات الاجتماعية التي تميز المدينة. ففي أي مساء يمكن للمرء أن يشاهد عائلات من المقيمين، وشبابًا قطريين، وعمالًا مهاجرين، وعدّائين، وصيادين، وسياحًا، وموظفين، جميعهم يتشاركون الفضاء العام نفسه. صحيح أن الفوارق الاجتماعية لا تختفي، لكنها تتراجع للحظات، لتستعيد المدينة واحدة من أهم وظائفها عبر التاريخ: جمع الغرباء في مكان واحدة

ولعل هذا ما يفسر لماذا كانت الكتابة عن الدوحة أكثر إرباكًا بالنسبة إليّ من الكتابة عن أي مدينة أخرى تناولتها في كتاب "الحداثات العربية: المدن، التاريخ والثقافة". فمن السهل أن نحتفي بمنجزاتها العمرانية الاستثنائية، كما يسهل أيضًا أن ندين التفاوتات والاختلالات التي قامت عليها. وكلا الموقفين يحمل جانبًا من الحقيقة، لكن أياً منهما لا يحيط بالمدينة في تعقيدها الكامل. فالدوحة مدينة تتسم في آن واحد بالكرم والإقصاء، والطموح والهشاشة، وتتطلع بثقة إلى المستقبل، فيما تظل مطاردة بما محته في طريقها إليه

الخاتمة: الوعد غير المكتمل للحداثة

عامل مهاجر، كورنيش الدوحة. (ياسر الششتاوي)

يقدّم جون ماكمانوس، الذي أعدّ ملاحظات هي من بين أكثر ما قرأت عمقًا ونفاذًا عن قطر، تذكيرًا مؤلمًا بأن المعيار الحقيقي لأي مجتمع لا يكمن في الطريقة التي يعامل بها زواره أو سكانه الميسورين، بل في الكيفية التي يعامل بها أكثر فئاته هشاشة. وبينما كنت أتجول في الدوحة، لم تكن كلماته تفارق ذهني. ففي كل مكان كنت أرى شواهد على طموح استثنائي، لكنني كنت أرى أيضًا الحضور الهادئ لأولئك الذين جعل عملهم ذلك الطموح ممكنًا، فيما ظلوا غائبين إلى حد كبير عن الرواية الرسمية للمدينة

وفي كل مكان هناك رجال. يجلسون في مجموعات على العشب الباهت، ويقفون تحت الأروقة. يتجولون اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة، وقد أحاطوا أكتاف بعضهم بعضًا. يتأملون ملصقات الحفلات الموسيقية، ويقفون في طوابير طويلة أمام أجهزة الصراف الآلي. هؤلاء هم الرجال الذين بنوا قطر... لكننا منفصلون عنهم بالجدران؛ جدران تحيط بمواقع البناء، وجدران أخرى تطوق معسكرات العمال.
جون ماكمانوس، داخل قطر: حكايات خفية من واحدة من أغنى دول العالم،

ولعل هذا هو السبب الذي يجعل أفكاري تعود، مرة بعد أخرى، إلى تلك الدمية العملاقة في المطار. فما بدا لي في البداية مجرد عمل فني طريف، تحول تدريجيًا إلى استعارة غير مقصودة للخليج بأسره. فهي تستحضر الطفولة، والدفء، والبيت، لكنها تجلس في فضاء يقوم جوهره على الحركة، وعدم الديمومة، والرحيل. إنها ترحب بالمسافرين، لكنها تذكرهم، في الوقت نفسه وبهدوء، بأنهم مجرد عابري سبيل

وهكذا، تظل حداثة الدوحة مشروعًا لم يكتمل بعد. فقد يعكس أفقها العمراني طموحًا هائلًا، وقد تعكس استثماراتها الثقافية رغبة واضحة في أن تحتل مكانة عالمية، لكن روح المدينة، الكامنة في فضاءاتها العامة، وبيئاتها الاجتماعية، وإيقاع حياتها اليومية، تروي قصة أكثر تعقيدًا. إنها قصة يتشابك فيها وعد المستقبل مع أشباح اللامساواة، ويظل فيها السؤال الأهم معلقًا من دون إجابة: من الذي يحق له، حقًا، أن ينتمي؟

Next
Next

طيفُ دبي في نيويورك