بيروت

قُبَلٌ إلى البحر والبيوت

وسط المدينة. بيروت (الششتاوي)

تستحضر قصيدة فيروز المؤلمة لبيروت مدينةً تنبض بجمال أخّاذ وبهاءٍ استثنائي، لكنها تحمل أيضاً ندوباً خلفها عنفٌ لا يوصف، ولا مساواةً مفجعة، وإحساساً عميقاً وعارماً بالهشاشة والزوال، إحساساً متجذراً في المكان، وفي البيئة العمرانية، وفي التاريخ. توحي بيروت بصورة مدينةٍ تطل علي البحر الأبيض المتوسط ينبغي أن تُصان ويُعتنى بها كما يُعتنى بكائنٍ حيّ. ومع ذلك، فإن جمالها يظل هشّاً ومعرّضاً للانكسار …

لبيروت

من قلبي سلام لبيروت

وقبل للبحر والبيوت

لصخرة كأنها وجه بحار قديم

هي من روح الشعب خمر

هي من عرقه خبز وياسمين

فكيف صار طعمها طعم نار ودخان؟ 

لبيروت

مجد من رماد لبيروت

من دم لولد حمل فوق يدها

أطفأت مدينتي قنديلها

اغلقت بابها

أصبحت في المساء وحدها

وحدها وليل

لبيروت

من قلبي سلام لبيروت

وقبل للبحر والبيوت

لصخرة كأنها وجه بحار قديم

أنت لي، أنت لي

آه عانقيني، أنت لي

رايتي وحجر الغد وموج سفري

أزهرت جراح شعبي

أزهرت دمعة الأمهات

أنت بيروت لي، أنت لي

آه عانقيني

لبيروت. فيروز. تصوير: الششتاوي

هناك مدنٌ تُبهرنا، وأخرى نألفها مع مرور الزمن، وقليلٌ منها يظل يسكن مخيلتنا بعد أن نغادرها. وكانت بيروت دائماً من هذا الصنف الأخير. فقبل أن تطأ قدماي أرضها للمرة الأولى بسنوات، شعرت وكأنني أعرفها سلفاً. وكحال كثيرين من أبناء جيلي في العالم العربي، لم تكن بداياتي مع بيروت عبر شوارعها، بل عبر صوت فيروز. ففي أغانيها بدت بيروت مدينةً معلّقة بين البحر الأبيض المتوسط والذاكرة، مكاناً يفيض بجمالٍ استثنائي، تمتزج فيه الأناقة بالحزن حتى يغدو أحدهما امتداداً للآخر. لكن إلى جانب هذه الصورة الشعرية، كانت هناك بيروت أخرى، تلك التي عرفناها من عناوين الصحف وشاشات التلفزة؛ مدينةٌ أنهكتها الحروب، والاضطرابات السياسية، والدمار، لكنها كانت تنهض في كل مرة بقدرةٍ مدهشة على الصمود. وحتى قبل أن أزورها، كنت أشعر أن هاتين ليستا مدينتين مختلفتين، بل وجهين للمكان ذاته

بعد سنوات، بينما كنت أكتب فصل بيروت في كتابي الحداثة (او الحداثات) العربية: المدن والتاريخ والثقافة، وجدت نفسي أعود إلى هذه المفارقة. بدت بيروت وكأنها تجسد كثيرًا من التناقضات التي شكّلت المدينة العربية الحديثة: مدينة كوزموبوليتية لكنها مجزأة، براقة لكنها غير متكافئة، تعيد اكتشاف نفسها باستمرار، لكنها تبقى عاجزة عن التحرر من ثقل تاريخها. إنها مدينة طالما احتُفي بجمالها، لكن مآسيها أصبحت هي الأخرى جزءًا لا يتجزأ من هويتها. وسرعان ما أدركت أن الكتابة عن بيروت لم تكن مجرد محاولة لتوثيق العمارة أو التحولات الحضرية، بل كانت تتطلب فهم الكيفية التي ترسخت بها الذاكرة والعنف والطموح والحياة اليومية في شوارعها ومبانيها

مبني جندول. ٢٠٠٥ (الششتاوي)

وسط المدينة. بيروت (الششتاوي)

ومن المفارقات أن نقطة البداية لهذا التأمل لم تكن بيروت، بل القاهرة. ففي الفيلم المصري المليء بالحنين ال الماضي في آخر أيام المدينة، يتجول البطل خالد في مدينةٍ تتغير بشكل سريع وبدأت تفقد تدريجيا العالم الذي كان يعرفه. وخلال رحلته يلتقي بأصدقائه و هم صناع أفلام مثله من بيروت و بغداد و مغترب عراقي في برلين، يحاول كل واحد منهم أن يفهم مدينته ويصالح نفسه معها. وقد بقي أحد تلك الحوارات عالقاً في ذهني منذ ذلك الحين. يقول باسم من بيروت، إن القاهرة قد تكون فوضوية ومتداعية، لكنها، على الأقل، صادقة. فهي لا تحاول إخفاء حقيقتها أو التظاهر بغير ما أصبحت عليه. أما بيروت، كما يراها، فهي مختلفة؛ إذ تخفي جراحها خلف واجهات مرممة بعناية وأسـطح مصقولة، فتخلق وهماً بأن المدينة قد تعافت، بينما لا تزال جراحها العميقة كامنة تحت السطح، بعيدة عن أي شفاء حقيقي

أنظر إلى هذه الكارثة التي تُدعى القاهرة. إنها كارثة، لكنها لا تكذب. تقول لك: هذه أنا، فإما أن تقبلني كما أنا، أو تذهب إلى برلين. أما بيروت فهي كذبة. كيف تُصوِّر القبح؟ بيروت عاهرة، امرأة عجوز خضعت لعملية شدّ وجه. كل شيء يبدو جميلاً من الخارج، لكنه متعفّن من الداخل. إذا صوّرتها، فقد أجد نفسي في النهاية بلا مدينة. ثم ماذا؟ ألتحق بك في برلين؟

قد تبدو كلماته صادمة ومتعمدة في استفزازها، لكنها تكشف حقيقة عميقة عن بيروت؛ مدينة لا تكف عن تمثيل دور التجدد، فيما تواصل حمل ندوب صراعاتٍ لم تزول حتي الآن

بدأت علاقتي ببيروت عام ٢٠٠٥، حين دُعيت لإلقاء الكلمة الرئيسية في مؤتمر دولي نظمته جامعة سيدة اللويزة في جونية، شمال العاصمة. وصلت في ساعة متأخرة من المساء، وفي صباح اليوم التالي استيقظت على مشهد بانورامي أخّاذ للبحر الأبيض المتوسط يمتد أمام نافذة الفندق. كانت لحظة من تلك اللحظات النادرة التي يذوب فيها البحر والسماء في أفق واحد، فتتلاشى جميع الأفكار، ولا يبقى سوى يقين هادئ بأن بعض المشاهد الطبيعية تمتلك كمالاً يكاد يكون سينمائياً. غير أن المدينة التي جئت لأتعرف إليها كانت تقع إلى الجنوب، ولذلك كنت أغتنم كل فسحة يتيحها برنامج المؤتمر لأتجه إلى بيروت نفسها

كانت الحمرا أول أحياء بيروت التي جذبتني. فبالنسبة لمن نشأ في القاهرة خلال سبعينيات القرن الماضي، كانت الحمرا قد اكتسبت مكانة تكاد تكون أسطورية. فقد مثلت نموذجاً لعروبة كوزموبوليتية أخذت تتوارى تدريجياً في مدن أخرى؛ مكاناً كان يجتمع فيه الكتّاب والصحفيون والفنانون والمنفيون السياسيون في المقاهي، حيث كانت الأحاديث تتنقل بسلاسة بين العربية والفرنسية والإنجليزية، وحيث بدت الثقافة جزءاً لا ينفصل عن تفاصيل الحياة اليومية. مكان مليء بالرجال والنساء الجميلين والأنيقين،,  وعندما سرت في شوارعها بعد عقود، شعرت أن شيئاً من تلك الروح لا تزال حاضرة، وإن كانت السنوات قد غيّرت ملامح المكان على نحو لا مفر منه 

ومن الحمرا اتجهت إلى ساحة الشهداء، ثم إلى وسط بيروت المُعاد بناؤه، «سوليدير». كانت المباني قد أُعيد بناؤها بعناية فائقة، وتتلألأ واجهاتها الحجرية تحت شمس البحر الأبيض المتوسط. وكانت الشوارع هادئة على نحو غير مألوف، والأرصفة نظيفة بصورة لافتة، وكل تفصيل معماري يبدو وكأنه خضع لأقصى درجات العناية. ومع ذلك، وبينما كنت أتجول في تلك المساحات، انتابني شعور غير متوقع بعدم الارتياح. فقد امتلكت المنطقة جميع السمات البصرية التي توحي بنجاح مشروع إعادة الإعمار، لكنها افتقدت، بطريقة يصعب تفسيرها، إلى تلك العفوية، والفوضى الخلّاقة، والمفاجآت اليومية التي تجعل المدن تبدو مأهولة بالحياة

الحمرا (الششتاوي)

(الششتاوي) سوليدير

لم أفهم سبب ذلك إلا لاحقاً. فخلال المؤتمر، أبدى أحد الزملاء اليابانيين، الذي كان قد زار المنطقة مؤخراً، ملاحظة عابرة قال فيها إن وسط بيروت «لا يبدو حقيقياً». يومها بدت لي عبارته قاسية أكثر مما ينبغي. لكن بعد أن أمضيت ساعات أتجول في شوارعها، وجدت نفسي أستعيد كلماته مراراً. كان كل شيء يبدو أصيلاً، لكن القليل فقط بدا وكأنه يُعاش بالفعل. لقد أُعيد بناء وسط المدينة بعناية استثنائية، ولكن أيضاً بدرجة استثنائية من التحكم، حتى بدا وكأنه صُمم ليعرض صورة عن بيروت أكثر مما صُمم ليحتضن الحياة اليومية التي كانت تنبض فيه يوماً

وعندما عدت إلى بيروت بعد سنوات، التقيت بالمعماري والمؤرخ الراحل روبرت صليبة، الذي اصطحبني مع مجموعة من الأصدقاء في جولة سيراً على الأقدام. عندها بدأت بيروت أخرى تنكشف أمامي تدريجياً. كانت وجهتنا الأشرفية، حيث تتجاور الذاكرة وإعادة الابتكار في توازن هش. فقد احتلت مطاعم أنيقة مباني عثمانية مرممة، وأعادت الحانات المعاصرة الحياة إلى شوارع كانت مهملة يوماً، فيما بدا الملهى الليلي الشهير الذي صممه المعماري برنارد خوري، والمطمور تحت الأرض على هيئة تابوت، وكأنه تجسيد رمزي لبيروت نفسها: مدينة تواصل فيها الحياة ازدهارها تحت وطأة التاريخ. وفي تلك الليلة نفسها، انتقلنا إلى مطعم للسوشي، ياباني، يقع تحت مستوى الشارع، و قد تحول مؤخرأ الي ملجأ لمهاجرين سوريين، قبل أن ننهي الأمسية ذهبنا الي نادٍ لموسيقى الجاز يعج بالشباب البيروتي، حيث أعادت إليّ حيويتهم وثقتهم وانفتاحهم الكوزموبوليتي صورة بيروت التي طالما عُرفت بوصفها العاصمة الثقافية للعالم العربي

الدوحة (الششتاوي) — برنارد خوري يصف عملية تحويل مطعم ياباني

غير أن رحلة قصيرة بالسيارة كانت كافية لتكشف عن بيروت أخرى تماماً، انها الضاحية الجنوبية. هناك كانت الإيقاعات مختلفة، والعمارة أكثر عفوية وارتجالاً، وآثار الصراع أكثر حضوراً ووضوحاً. كانت الأحياء الشعبية تتجاور مع بنية تحتية مهملة، كاشفةً عن مدينة نادراً ما تظهر في الكتيبات السياحية أو المجلات المعمارية. ولم يكن ممكناً التوفيق بين هاتين البيروتين في سردية واحدة متماسكة، لأن كلتيهما كانتا حقيقيتين بالقدر نفسه. إحداهما تجسد الطموح وإعادة الابتكار، فيما تكشف الأخرى عن حقائق راسخة من اللامساواة، والنزوح، والصراع. وبينهما تتجسد المفارقة التي ما تزال تؤرقني حتى اليوم

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه بيروت. فهي، بخلاف المدن التي تعرض تناقضاتها على الملأ، تدعونا إلى نظرة أبعد من المظاهر. فجمالها حقيقي، كما أن جراحها حقيقية أيضاً، ولا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر. وهذا، أكثر من أي شيء آخر، هو ما سعيت إلى استكشافه في فصل بيروت من كتابي، وهو أيضاً ما يجعلني أعود إليها كلما فكرت في هذه المدينة الاستثنائية، المستحيلة 

وفي أحد الأيام، وبينما كنت برفقة صديقتي وزميلتي منى خشن، عثرنا مصادفة على ساحة سمير قصير، وهو فضاء عام متواضع يحمل اسم الصحفي والمؤرخ الذي اغتيل عام ٢٠٠٥. كانت الفضاء يختبئ خلف صفوف من المباني، ويضفي خرير المياه فيه هدوءاً خاصاً، بعيداً عن الطموحات الاستعراضية التي ميزت مشاريع إعادة الإعمار المحيطة به. ولم يحتج سوى إلى عدد قليل من الأشجار، ومقاعد بسيطة، ومنصة مرتفعة قليلاً تطل على الشارع، لتنجح في تحقيق ما عجز عنه كثير من فضاءات وسط المدينة: الألفة الإنسانية. وبينما كنت أجلس أراقب الناس وهم يشغلون المكان بهدوء وعفوية، أدركت أن المدن لا تتغير بفضل المباني الأيقونية وحدها، بل كثيراً ما تستعيد روحها عبر أماكن متواضعة تدعو الناس إلى التوقف، والمراقبة، ومجرد الوجود 

وهذا يفسر لماذا استطاعت السينما أن تفهم بيروت على نحوٍ أفضل من مخططي المدن. فالمدن في الأفلام نادرًا ما تُقدَّم بوصفها مجرد مجموعة من المباني، بل تتشكل من خلال الحياة التي تنبض فيها، كاشفةً عن طبقات في الغالب لا تعترف بها المخططات العمرانية. في فيلم بيروت الغربية لزياد دويري، يتتبع المشاهد مجموعة من المراهقين يحولون الشوارع المهجورة، والمباني المدمرة، والفراغات غير المحددة إلى فضاءات للمغامرة والصداقة والاكتشاف. إنها مدينة مزقتها الحرب، لكن زواياها المنسية تتحول إلى مشاهد تزخر بالإمكانات. أما فيلم كفر ناعوم لنادين لبكي، فيكشف عن بيروت أخرى تمامًا، مدينة تختبئ خلف الواجهات اللامعة لمشروعات إعادة الإعمار. فمخيمات اللاجئين، والأسواق غير الرسمية، والشقق المكتظة، والأسطح، والأنفاق المهملة، تصبح الجغرافيا التي يكافح فيها الأطفال والمهاجرون والفقراء من أجل البقاء. وتذكرنا هذه الأفلام مجتمعة بأن القيمة الحقيقية لأي مدينة لا تكمن في معالمها أو أفقها العمراني، بل في تلك الأمكنة التي يتفاوض فيها الناس العاديون مع تفاصيل حياتهم اليومية رغم كل ما يحيط بهم من مصاعب

(الششتاوي)ساحة سمير قصير

من اليسار إلى اليمين: لقطات من فيلمين: بيروت الغربية وكفر ناعوم

لم يكشف شيء عن هشاشة المشروع العمراني غير المكتمل في بيروت بقدر ما كشفه انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس/آب ٢٠٢٠. ففي غضون ثوانٍ معدودة، دُمِّرت أحياء بأكملها، وتحولت مبانٍ تاريخية إلى أنقاض، وشُرِّدت آلاف العائلات. ومع ذلك، لا يمكن فهم هذه الكارثة بمعزل عن سياقها. فلم تكن مجرد حادث مأساوي أو حلقة أخرى في تاريخ بيروت المضطرب، بل كشفت عن حصيلة عقود من الشلل السياسي، والإهمال المؤسسي، والتنمية العقارية القائمة على المضاربة، والتآكل التدريجي لفكرة المسؤولية العامة. لم يدمّر الانفجار المباني فحسب، بل حطم أيضاً الوهم القائل إن إعادة الإعمار وحدها قادرة على مداواة مدينة ما تزال جراحها الأعمق مفتوحة 

وقد جاءت موجة العنف التي طالت بيروت منذ أواخر عام ٢٠٢٣ لتؤكد هذه الحقيقة المؤلمة. فمرة أخرى عاد الدمار إلى أحياء لم تكن قد تعافت بعد من صراعات سابقة، ومرة أخرى وجد المواطنون العاديون أنفسهم يدفعون الثمن الأكبر لقرارات لا يملكون إزاءها سوى القليل من القدرة على التأثير. ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير دهشتي ليس قدرة بيروت على البقاء فحسب، بل الصمود الاستثنائي لأهلها أيضاً. ففي كل مرة، تبادر الجمعيات المحلية، والمتطوعون، والمعماريون، والمهندسون، والسكان أنفسهم إلى إصلاح المنازل المتضررة، وإنقاذ المباني التاريخية، ومساندة بعضهم بعضاً، قبل أن تبدأ المؤسسات الرسمية حتى في الاستجابة. وتكشف هذه الجهود عن بيروت أخرى، بيروت لا تحظى بالاهتمام الذي تناله الأبراج الفاخرة أو الأزمات السياسية، لكنها ربما تمثل أعظم إنجازات المدينة

وحين أستعيد اليوم ذكرياتي مع بيروت، أدرك أن ما بقي عالقاً في ذهني ليس مبنى بعينه، ولا مشروعاً عمرانياً محدداً، مهما بلغت أهميته. بل أتذكر الأحاديث في مقاهي الحمرا، وصمت ساحة الشهداء، والسكينة غير المتوقعة في ساحة سمير قصير، والتباينات الصارخة بين الأشرفية والضاحية الجنوبية، وفوق كل ذلك ذلك الإحساس الدائم بأن بيروت ليست مدينة واحدة، بل مدنٌ متعددة تتجاور في المكان نفسه، وتتعايش أحياناً بصعوبة. ولعل هذه التعقيدات هي ما يجعل بيروت عصية على الفهم، ومستحيلة النسيان


خاتمة: لماذا لا تزال بيروت مهمة؟

بيوت في الخمسينيات و الستينيات

بيروت. لقطات أرشيفية. 1969

رحل سمير قصير، لكنه ترك لنا واحدة من أعمق القراءات لمدينته التي أحبها حتى النهاية. فقد رأى أن الأهمية الحقيقية لبيروت لا تكمن فقط في عمارتها أو في دورها مركزاً تجارياً، بل في كونها المدينة التي أسهمت في تحويل الحداثة العربية من فكرة مجردة إلى واقع معاش. وهي ملاحظة لا تزال مؤلمة في واقعيتها حتى اليوم 

كانت بيروت، وما زالت، مكاناً حقيقياً بكل ما في الكلمة من معنى، مكاناً لا تستطيع خفته وحبه للاستعراض والمشهدية أن يخفيا جديته العميقة. ولعل في ذلك تكمن حداثة بيروت الحقيقية، إذ ينبغي في النهاية أن تُقاس قيمتها بمكانتها في تاريخ الذهنيات وتاريخ الأفكار. فقد تميزت بيروت بين مدن عصرها لا لأنها ساعدت على بلورة مفهوم الحداثة العربية فحسب، بل، والأهم من ذلك، لأنها أسهمت في جعلها واقعاً حياً، حتى وإن كانت، في الوقت نفسه، قد قادت نفسها إلى طريق مسدود

وتحمل كلمات قصير قدراً عميقاً من الحزن والأسى. نعم، كانت بيروت في طليعة الحداثة العربية، مدينة احتضنت المستقبل وسعت إلى تجاوز الماضي، لكنها، في اندفاعها هذا، مهدت أيضاً الطريق إلى تآكلها الذاتي ودمارها المتكرر 

وقد عبّر نزار قباني عن هذه العلاقة الملتبسة مع بيروت بأبلغ صورة، مخاطباً المدينة كما لو كانت إنساناً 

نعترف أمام الله الواحد أننا كنا نغار منك، وأن جمالك كان يؤذينا. ونعترف الآن أننا أسأنا إليك، وأسأنا فهمك، ولم نرحمك، ولم نلتمس لك العذر

ليست هذه الكلمات مجرد قصيدة عن بيروت، بل هي اعتراف يردده، بصورة أو بأخرى، كل من أحب هذه المدينة. فبيروت تستدعي الإعجاب، لكنها تقاوم اليقين؛ تغوينا بجمالها الأخّاذ، لكنها لا تخفي آلامها؛ وتذكرنا، مرة بعد أخرى، بأن المدن ليست مجرد مبانٍ تذكارية أو مخططات عمرانية، بل أوعية هشة للذاكرة، والأمل، وقدرة الإنسان على الصمود. ولهذا السبب لا تزال بيروت مدينةً ذات أهمية استثنائية. ليس لأنها تجاوزت مآسيها، بل لأنها، رغم كل ما مرت به، ما تزال قادرة على تخيل بداية جديدة

ويبقى في النهاية صوت فيروز، يعلو فوق الضجيج والأنقاض، شاهداً على مدينة لا تتوقف عن السقوط ... ولا تتوقف عن النهوض

لبيروت































Previous
Previous

طيفُ دبي في نيويورك

Next
Next

وما تزال عمّان تنتظر ما سيأتي