أصوات القاهرة

من بين أجمل ذكرياتي عن القاهرة أصواتها المميزة، فمن منزلنا في المعادي أتذكر كيف كنت أستيقظ قبل الفجر على صوت الأذان وهو ينساب في سكون الصباح وما إن ينتهي حتى تبدأ المدينة في الاستيقاظ تدريجيًا فتظهر أصوات الباعة وهم يدفعون عرباتهم أو يقودون سياراتهم الصغيرة ببطء في شوارع الحي، يعلن كل منهم عن بضاعته بصوت يعرفه السكان جيدًا، وكان من بينهم بائع الروبابيكيا الذي كان يصدح بندائه المألوف بيكيا وهو يجوب الشوارع بحثًا عن الأغراض المنزلية القديمة ثم تأتي أصوات الناس وهم يتجهون إلى أعمالهم والأطفال في طريقهم إلى المدارس ونباح الكلاب من علي بعد وحركة المرور التي تزداد شيئًا فشيئًا، ومثل كثير من أبناء القاهرة تعلمت أن أعرف الوقت لا من الساعة بل من خلال الإيقاع المتغير لأصوات المدينة

"ازاي تسمع الصمت في وسط دوشة القاهرة"

يأتي هذا السؤال من فيلم رائع يمزج بين السيرة الذاتية والفيلم التسجيلي و هو "في آخر أيام المدينة" للمخرج تامر السعيد الذي أُنتج عام ٢٠١٦ وتنطق به إحدى الشخصيات بينما تنساب الكاميرا فوق مشهد جوي لوسط القاهرة حيث تقف المباني الحداثية إلى جانب الأحياء الأقدم في طبقات متراكمة من التاريخ، والفيلم تأمل نوستالجي في القاهرة ومستقبلها الغامض يتابع رحلة مخرج سينمائي يتجول في المدينة عشية ثورة عام ٢٠١١، غير أن أكثر ما يبقي عالقًا في ذاكرتي لم يكن صوره وحدها بل اهتمامه العميق بالأصوات وبالمشهد السمعي الذي يميز المدينة

القاهرة مدينة الدوشة وهي الكلمة المصرية التي تختزل الضجيج والصخب والتداخل الكثيف للأصوات التي تشكل نسيج الحياة اليومية فيها فأصوات أبواق السيارات تتنافس مع هدير المحركات والناس يتنادون عبر الشوارع والباعة يعلنون عن خضرواتهم وبضائعهم المنزلية بينما يتردد النداء المألوف لبائع الروبابيكيا في الأحياء السكنية ثم يرتفع صوت الأذان على نحو مفاجئ فوق هذا الصخب للحظات قبل أن يذوب من جديد في الإيقاع الدائم للمدينة ويمتد هذا المشهد السمعي عبر معظم أنحاء القاهرة الكبرى ليمنح المدينة هوية صوتية لا تخطئها الأذن

عربة الروبابيكيا


لكن خلال العقدين الماضيين شهدت القاهرة توسعًا عمرانيًا هائلًا ففي الشرق ظهرت القاهرة الجديدة ومدينتي والعاصمة الإدارية وفي الغرب مدينتا السادس من أكتوبر والشيخ زايد وتتكون هذه المشروعات في معظمها من مجتمعات سكنية مغلقة صممت للطبقة المتوسطة العليا وللأثرياء وتتعدد الدوافع وراء مغادرة وادي النيل وهي تعكس ما وصفه ديفيد سيمز بعبارة أحلام الصحراء حيث يسعى السكان إلى الهروب من الازدحام والغبار والجريمة المتصورة والفوضى الحضرية بحثًا عن بيئات يجري تسويقها باعتبارها نظيفة ومنظمة وآمنة وخضراء 

وهم لا يهربون من الازدحام وحده بل من أمر آخر نادرًا ما يجري الحديث عنه الا وهو الضجيج

في هذه المجتمعات العمرانية الجديدة أصبح الصمت نفسه أحد عناصر الرفاهية فبدلًا من أصوات الباعة الجائلين لا يسمع المرء سوى زقزقة الطيور وحفيف الحدائق التي تُروى بعناية وتبدو حركة المرور خافتة بينما تظل الشوارع في معظم الأوقات شبه خالية وتنتقل الحياة التجارية إلى داخل مراكز التسوق المكيفة بدلًا من الأرصفة الصاخبة والمفارقة أن هذه المساحات الخضراء لا يمكن أن توجد إلا بفضل الاستخدام المكثف لمياه النيل في قلب الصحراء وهو ما يزيد من تفاقم أزمة المياه التي تعاني منها مصر، وهكذا أصبح الصمت بدوره شكلًا آخر من أشكال الامتياز يميز سكان هذه المجتمعات المغلقة عن أولئك الذين ما زالوا يعيشون في أحياء المدينة القديمة 

إذا رسمنا خريطة للمشهد السمعي في القاهرة فسيظهر أمامنا نمط واضح للغاية إذ ستسجل المنطقة التاريخية والأحياء العشوائية ومشروعات الإسكان العام وأحياء الطبقة الوسطى أعلى مستويات الضجيج نتيجة الكثافة السكانية المرتفعة والشوارع المزدحمة والأسواق غير الرسمية والورش وعربات التوك توك والحافلات والحركة المتواصلة للناس والمركبات، لكن ما إن نتجه نحو الضواحي الصحراوية حتى يتغير هذا المشهد السمعي بصورة جذرية فالأصوات تصبح أكثر خفوتًا والتفاعل الإنساني ينتقل إلى الداخل والشوارع تغدو أكثر هدوءًا، وتتركز الأنشطة التجارية داخل مراكز التسوق بينما تمضي الحياة اليومية خلف الأسوار والبوابات المغلقة

يمين: القاهرة الجديدة يسار: العشوائيات

وهكذا ينكشف وجه آخر من وجوه الانقسام الحضري المتزايد في القاهرة حيث توجد مدينة ينعم بها أصحاب الامتيازات ومدينة أخرى يعيش فيها الآخرون 

هذا في رأيي تطور مؤسف فما إن يزور المرء القاهرة حتى يدرك أن ضجيجها أو الدوشة التي تميزها هو جزء لا يتجزأ مما يجعلها مدينة لا تشبه سواها، صحيح أن هناك حدودًا يصبح بعدها الضجيج مؤذيًا، لكن ما دون تلك الحدود لا تمثل هذه الأصوات تلوثًا ينبغي التخلص منه، بل هي تعبير عن الحياة اليومية ودليل على اللقاءات والتجارة والأحاديث والارتجال وروح الجماعة وهي في نهاية المطاف الموسيقى التي تنبض بها مدينة حية 

لعل السؤال الحقيقي ليس كيف نجعل القاهرة صامتة بل كيف نحافظ على الحيوية التي تجسدها أصواتها وفي الوقت نفسه نجعل المدينة أكثر قابلية للعيش للجميع ففي النهاية قد تظل القاهرة مدينة حتى من دون دوشتها لكنها لن تعود تبدو أو تسمع كالقاهرة التي نعرفها

Next
Next

يا الميدان